محمد جرو/تنوير/
يعود الصراع على الأرض ليطفو من جديد بإقليم الرشيدية ،كما في مختلف المدن والمداشر المغربية ليطرح أكثر من سؤال حول أدوار مختلف المؤسسات المرتبطة بهذا المشكل ،ومنها القبيلة التي تلجؤ عادة للعرف لفض النزاعات ..فإذا كان الدرك يقف عند حدود الإقليم التابعة له سريته compagnieأثناء حدوث حادثة سير،ويمتنع عن القيام بالإجراءات بمبرر ،أن مكان الحادثة تابع لسرية دركية أخرى ،فأن الأمر كذلك بجل القرى والمداشر التي تنتشر بها أراضي الجموع أو السلالية ..
فما وقع بإقليم الرشيدية : أمس،حينما تحدثت المصادر من عين المكان ،يطرح أكثر من علامة استفهام،فقد قامت قبيلة بالوقوف في طريق جنازة قبيلة اخرى معترضة عن دفن سيدة بمقبرة تابعة لها.
وبحسب ذات المصادر،فهذه الأرض تسمى أرض الجموع و هي مشتركة بين ثلاثة قبائل قبيلة تغنبوت قبيلة أيت عبد الصمد و قبيلة غبالوا نكردوس أما عن المقبرة المتنازع حولها فإنها أحدثت بعد إتفاق القبائل الثلالة وبمحضر قانوني بحضور الجماعة والداخلية و المندوبية الاقليمية للأوقاف والشؤون الإسلامية ،و ممثلي القبائل الثلاث و قد شرع في عملية الدفن في هذه المقبرة بعد إمتلاء المقبرة القديمة لأيت عبد الصمد و قد دفن فيها ثلاثة أشخاص من قبل .
بينما بالغرب بني احسن حسب مصادر أهل المنطقة ،فبلاد الجموع لا تكون مشتركة بل لكل قبيلة حدودها المعروفة و ذلك برسم عقاري واحد خاص لكل قبيلة.وبخصوص المقابر تتكفل كل قبيلة بمقبرتها على ترابها ( مع إمكانية الدفن لأفراد القبيلة الأخرى المجاورين لتلك المقبرة) و تكون هناك اتفاقات بإحداث مقابر مشتركة بين القبائل المجاورة خصوصا على الحدود المرسومة أو بالتناوب بين القبائل في حالة الملء.
فيما يخص واقعة الرشيدية ،التي كادت أن تتطور ،فإن أصل النزاع لا يتعلق برفض دفن متوفاة كما تم الترويج له، بل يعود إلى إقدام مجموعة من الأشخاص على محاولة فرض مقبرة جديدة فوق أراض سلالية تابعة لقبيلة تغنبوت، خارج الأعراف والمساطر القانونية الجاري بها العمل. وهو ما اعتبرته القبيلة تعديا على أراضيها الجماعية ومحاولة لخلق أمر واقع يخدم أهدافا مرتبطة بوضع اليد على الأرض أكثر مما يرتبط بالحاجة الفعلية إلى مقبرة.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن القبيلة المعنية تتوفر أصلا على مقبرة قائمة، كما تتوفر على أراض خاصة بها يمكن استغلالها لإحداث مقبرة جديدة وفق المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول دوافع اختيار أراض سلالية لقبيلة أخرى دون غيرها.
وأمام خطورة الوضع وإمكانية تطوره إلى نزاع اجتماعي، اختارت قبيلة تغنبوت اتباع المسالك القانونية والمؤسساتية، من خلال اللجوء إلى السلطات القضائية والأمنية والترابية قصد تطبيق القانون وإنصاف جميع الأطراف. وهو سلوك يعكس إيمان القبيلة بدولة المؤسسات ورفضها لمنطق الفوضى وفرض الأمر الواقع.
في المقابل، فإن التصرفات التي أقدمت عليها الجهة الأخرى أوحت للكثيرين بمحاولة تجاوز القوانين والأعراف المحلية، من خلال السعي إلى فرض واقع جديد بالقوة، وهو ما ساهم في تأجيج الوضع وإعطاء القضية أبعادا أكبر من حقيقتها.
ورغم كل ذلك، فإن قبيلة تغنبوت تعاملت مع قضية المتوفاة بمنتهى الإنسانية والمسؤولية، انطلاقا من احترامها لحرمة الموتى وواجب إكرام الميت. فقد عرضت على أهل الفقيدة دفنها داخل المقبرة التابعة للقبيلة، بل وتم بالفعل حفر قبر خصيصا لهذا الغرض، في انتظار موافقة أسرة المتوفاة، حتى يتم تجاوز الظرف الإنساني الحساس وترك أصل النزاع للجهات المختصة كي تحسم فيه وفق القانون.
إن مثل هذه القضايا تستدعي التحلي بالحكمة والتعقل وتغليب صوت العقل والمؤسسات بدل الانجرار وراء الروايات الأحادية أو محاولات التأثير العاطفي على الرأي العام. كما أن الإعلام الجاد مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحقق من المعطيات وعدم الاكتفاء برواية طرف واحد، لأن الانحياز أو التسرع في النشر قد يساهم في تعميق الاحتقان الاجتماعي بدل المساهمة في التهدئة وكشف الحقيقة كاملة.
وفي النهاية، يبقى احترام القانون والمؤسسات هو السبيل الأمثل لحل مثل هذه النزاعات، مع ضرورة الحفاظ على قيم التضامن والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع، بعيدا عن كل أشكال الاستغلال أو التوظيف المغرض للقضايا الإنسانية.