تعتبر مؤسسات التفتح الأدبي والفني جيلا جديدا من البنيات التربوية التي راهنت عليها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لتجاوز النمطية التعليمية التقليدية، وقد جاء إرساء هذه المؤسسات استجابة لمتطلبات إصلاح المدرسة المغربية، وتنزيلا لمقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، لاسيما المشروع رقم 10 المتعلق بالارتقاء بالحياة المدرسية، وتتحدد المهمة الأساسية لهذه المؤسسات في توفير فضاءات مجهزة لتفجير الطاقات الإبداعية للمتعلمين والمتعلمات في مجالات متعددة كالمسرح، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والصوتيات والصورة، بالإضافة إلى ورشات القراءة والكتابة واللغات.
وتتجاوز القيمة المضافة لهذه المؤسسات البعد الترفيهي لتلامس جوهر الفعل التربوي الحديث، حيث تتجلى أبرز إسهاماتها بناء على المذكرات الوزارية المنظمة (كالمذكرة الوزارية رقم 340/15 بتاريخ 09 يوليوز 2015 والمذكرات اللاحقة المؤطرة للحياة المدرسية) في أنسنة الفضاء المدرسي والانتقال به من فضاء للتلقين المعرفي الجاف إلى فضاء مفعم بالحياة، مما يسهم في الرفع من “مؤشر جاذبية المدرسة” وتقليص نسب الهدر المدرسي، كما تضمن هذه المؤسسات تحقيق العدالة المجالية بإتاحة الفرصة لأبناء المدرسة العمومية، خاصة في الأحياء الهامشية والوسط القروي أو شبه القروي، للاستفادة مجانا من تأطير فني وأدبي كان حكرا على الفئات الميسورة في المراكز الثقافية الخاصة ، كما يمتد هذا الأثر البيداغوجي إلى تنمية الكفايات العرضانية، إذ أثبتت المؤشرات التربوية الحديثة أن المتعلمين المرتادين لورشات التفتح يطورون مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس، والذكاء العاطفي، وهو ما ينعكس إيجابا على تحصيلهم الدراسي في المواد العلمية والأدبية الأساسية، ناهيك عن دور هذه المراكز في تجويد اللغات والتواصل عبر ورشات المسرح، والحكاية، والخطابة، والمناظرة …. مما يقدم دعما ملموسا لـ “الهندسة اللغوية” التي تتبناها الوزارة، ويرفع من مستوى التعبير الشفهي والكتابي لدى الناشئة.
ورغم النوايا البيداغوجية الطيبة والترسانة القانونية والتنظيمية المحفزة، واجه تنزيل مشروع مؤسسات التفتح الأدبي والفني عدة إكراهات بنيوية ووظيفية حدت من فاعليته الكاملة، وكشفت عن مفارقة واضحة بين الوثائق المرجعية والواقع الميداني، ويأتي على رأس هذه الإكراهات معضلة التأطير البشري والحكامة، إذ تعتمد المذكرات الوزارية في تشغيل هذه المؤسسات على صيغة “التكليف” لأساتذة التعليم العمومي الذين يملكون مواهب أو شواهد في مجالات الفنون والأدب، وتطرح هذه المقاربة إشكالين حقيقيين : أولهما غياب التكوين التخصصي، فالموهبة وحدها لا تكفي لتأطير ورشات فنية تخصصية كالسولفيج الموسيقي أو السينوغرافيا المسرحية أو البرمجة الرقمية وفق مناهج بيداغوجية علمية، وثانيهما عدم الاستقرار المهني الناجم عن غياب إطار قانوني واضح وتوصيف وظيفي قار للمؤطرين التربويين في هذه المراكز، مما يجعلهم عرضة لإنهاء التكليف أو المطالبة بالعودة لأقسامهم الرسمية، مهددا بذلك استمرارية المشروع التفتحي .
وينضاف إلى المعضلة البشرية ضعف البنيات التحتية والتجهيزات، حيث يلاحظ في هذا الشأن تفاوت صارخ بين المديريات الإقليمية، فبينما تحظى بعض المراكز، غالبا في المدن الكبرى، بفضاءات مجهزة تتوفر فيها كل شروط العمل، تعاني مراكز أخرى في المدن الصغرى من ضعف التجهيز، واهتراء القاعات التي تكون غالبا عبارة عن حجرات دراسية مستغنى عنها في مؤسسات مغلقة.
هذا الخلل البنيوي انعكس سلبا على مؤشرات الارتياد والتغطية المجالية، وتجلى في محدودية الطاقة الاستيعابية بالنظر إلى مؤشر عدد التلاميذ المستفيدين مقارنة بالعدد الإجمالي لتلاميذ الإقليم، حيث تظل النسبة ضئيلة جدا من مجموع تلاميذ المديرية الإقليمية، مما يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص، كما يقف عائق النقل المدرسي حاجزا أمام تحقيق الأهداف المسطرة، نظرا لتركيز هذه المؤسسات في مراكز المدن، مما يحرم تلاميذ العالم القروي والضواحي من ارتيادها.
وفي خضم هذه الإكراهات، تبرز بوادر انفراج واعد قد يسهم في تعزيز مكانة مؤسسات التفتح الأدبي والفني وتطوير أدوارها داخل المنظومة التربوية ، ويجدر التنويه في هذا السياق بأن إدراج هذه المؤسسات ضمن مقتضيات القانون رقم 59.21 يشكل خطوة نوعية بالغة الأهمية، إذ منحها لأول مرة سندا تشريعيا صريحا داخل منظومة التعليم المدرسي، بعد أن ظل تأطيرها لسنوات مقتصرا على مذكرات تنظيمية قابلة للتعديل أو التوقف ، غير أن ملامح وضعها المؤسسي والمهني بشكل دقيق ستتضح بصورة أكبر مع صدور المراسيم والقرارات التطبيقية المرتبطة بهذا القانون، والتي ينتظر أن تحدد اختصاصاتها وآليات اشتغالها وآفاق تطويرها.
ولكي تتحول مؤسسات التفتح الأدبي والفني من “مراكز تأثيثية” إلى رافعة حقيقية لإصلاح المنظومة التربوية، وتتجاوز هذه العوائق نحو أفق تطويري حقيقي، لا بد من مأسسة الإطار البشري عبر القطع مع صيغ التكليف المؤقتة والاتجاه نحو التعيين الرسمي والنهائي للأطر العاملة بمؤسسات التفتح، مع إحداث إطار قانوني ووظيفي مستقل يليق بالمهام الجسيمة المنوطة بها، توازيا مع إحداث دبلومات وتخصصات داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لضمان تخرج أطر متخصصة تجمع بين الفن والبيداغوجيا وهي خطوة استراتيجية من شأنها أن تسمح بالتوسع الجغرافي لهذه المؤسسات وتعميمها، خصوصا في العالم القروي والمناطق الشبه حضرية التي ظلت تعاني من غياب هذه الخدمات التربوية الحيوية، كما يتطلب الأمر عقد شراكات استراتيجية وتفعيل “المقاربة التشاركية” عبر إبرام اتفاقيات ملزمة مع وزارة الثقافة، والمعاهد الموسيقية والمسرحية الوطنية، والجمعيات الفنية المحترفة، لضمان تأطير متواصل و محترف.
وبموازاة ذلك، يتعين استثمار التكنولوجيا عبر الرقمنة وتوسيع العرض بإحداث “منصات تفتح رقمية” تبث الورشات التكوينية عن بعد، لتمكين التلاميذ في المناطق النائية من متابعتها والاستفادة منها داخل مؤسساتهم الأصلية عبر أندية الحياة المدرسية، مع ضرورة ربط التفتح بالمسار الدراسي من خلال إيجاد صيغة لتقييم واحتساب مهارات التفتح ضمن مسار التلميذ الدراسي كأنشطة موازية معترف بها، مما يرفع من دافعية الأسر لتشجيع أبنائهم على الارتياد.
إن مؤسسات التفتح الأدبي والفني تمثل، في المحصلة، قفزة نوعية وفلسفة تربوية رائدة لإنتاج مواطن متزن، مبدع، ومتصالح مع هويته وذاته ، غير أن نجاح هذا الرهان الوطني الكبير يظل رهينا بالانتقال الفعلي من منطق التدبير بالمذكرات والمبادرات التطوعية المؤقتة، إلى منطق المأسسة المستدامة والاستثمار المالي والبشري الحقيقي في مغرب الغد.