خلال العقود الأخيرة باتت أدوات الديموقراطية ومؤسسات حقوق الإنسان من أبرز أدوات تحكم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية في دول العالم الثالث التي تتبنى أنظمة رئاسية، حيث يجري دعم مرشحين موالين للغرب، ليشرعوا الباب للوبياته السياسية والاقتصادية من أجل التحكم في المسؤولين وتعب ثروات الوطن عبر شركات عابرة للقارات.. حدث هذا في كولومبيا وفي البرازيل في عهد بولسونارو قبل أن يصعد لولا دا سيلفا الذي عانى كثيرا من مخططات الولايات المتحده الأمريكية في بلده، وفي الأرجنتين التي لازالت حبيسة هذا الوضع، ومرحبا في فنزويلا التي اختطف ترامب رئيسها مادورو وأرغم النخبة الحاكمة على أن تتبع مسارا جديدا يوافق مصالح أمريكا في البلد..
دانييل أورتيغا فطن لهذا الأمر وإن كان باديا للعيان منذ سنوات، فأخذ هذا القرار بشجاعة استثنائية، وقام بتنزيله عبر مجموعة من الآليات، نذكر من أبرزها الإعلان عن تشريع قوانين جديدة مع الجمعية الوطنية (البرلمان) لبناء “جدار أو حاجز” يمنع “الخونة والانقلابيين” حسب تعبيره من العودة إلى السلطة، “مهما أعطاهم اليانكي الأمريكي من أموال” ردا على العالم “الديمقراطي” المنافق، والذي اختطف رئيس فنزويلا مادورو الذي صعد بانتخابات شعبية ديمقراطية بعد أن فشل في فرض عمليه غوايدو كرئيس للبلاد وبدون انتخابات.
وردا على منتقدي الرئيس أورتيغا المتحسرين على إيقاف الخيار الديموقراطي بالبلد، نعود قليلا إلى الوراء عندما كانت تقام فعلا انتخابات ديمقراطية في نيكاراغوا كانت تتعرض لعمليات انقلاب أمريكية لإسقاط الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس موال للإدارة الأمريكية، وهو أمر دأبت عليه أمريكا منذ عقود خصوصا في دول أمريكا اللاتينية التي اعتبرها حديقتها الخلفية، حيث كانت ولازالت تدعم أحزابا من الأوليغارشية اليمينية المتواطئة مع مخططاتها السياسية والاقتصادية في هذه البلدان.
وفي هذا الإطار فإن خطوة الرئيس دانييل أورتيغا لحماية الثورة الساندينية (1979) أطاحت بديكتاتورية عائلة سوموزا (المدعومة أمريكياً) التي حكمت نيكاراغوا لأكثر من أربعين عاماً. وقد حققت الثورة في الفترة الأولى (1979-1990) إنجازات اجتماعية مهمة، رغم التحديات الاقتصادية والحرب الأهلية (مع كونترا المدعومين من الولايات المتحدة) حيث كان من انجازاتها الرئيسية:
محو الأمية — حملة كبرى خفضت نسبة الأمية من أكثر من 50% إلى أقل من 13% في أشهر قليلة (بمشاركة عشرات الآلاف من المتطوعين).
الرعاية الصحية — توسيع الخدمات الصحية المجانية، برامج تلقيح واسعة، وانخفاض معدلات وفيات الأطفال.
الإصلاح الزراعي — توزيع الأراضي على الفلاحين، وتأميم بعض المزارع الكبيرة، مما ساعد الطبقات الفقيرة.
التعليم — بناء مدارس جديدة وزيادة فرص التعليم المجاني.
المشاركة الشعبية — تشكيل لجان دفاع ساندينية ومنظمات نسائية وشبابية، مع تركيز على دور المرأة.
السيادة الوطنية — إنهاء التبعية المباشرة للولايات المتحدة، ودعم حركات التحرر في أمريكا اللاتينية.
يبقى التحدي الأكبر أمام الرئيس أورتيغا، هو رعونة ترامب ومتطرفي الحزب الجمهوري واللوبي الصهيوني الذين يقفون وراءه. فهل سيقبلون بهذا القرار بسهولة ويغضون الطرف عن مصالحهم في البلد، أم أن هناك سيناريو آخر ينتظر النخبة الحاكمة في نيكاراغوا على غرار سيناريو فينزويلا أو إيران؟؟
د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي