الحنبلي عزيز
توفي، الخميس 23 يوليوز 2026، في العاصمة اللبنانية بيروت، الياباني كوزو أوكاموتو، المعروف في الأوساط الفلسطينية باسم «أحمد الياباني»، عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض، وفق ما أعلنته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تولت رعايته خلال العقود الأخيرة من حياته.
وبوفاته، تُطوى صفحة إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية؛ إذ ينظر إليه أنصار الفصائل الفلسطينية باعتباره رمزاً لـ«النضال الأممي»، بينما ارتبط اسمه لدى خصومه بهجوم دموي استهدف مطار اللد سنة 1972 وأوقع عشرات القتلى والجرحى.
من اليابان إلى القضية الفلسطينية
وُلد كوزو أوكاموتو في السابع من دجنبر 1947 بمدينة كوماموتو جنوبي اليابان، داخل أسرة من الطبقة المتوسطة، وكان أصغر إخوته. درس علم النبات، قبل أن ينخرط خلال شبابه في أوساط اليسار الثوري الياباني، في مرحلة اتسمت بانتشار الحركات الطلابية والتنظيمات المناهضة للرأسمالية والإمبريالية وحرب فيتنام.
لاحقاً، ارتبط أوكاموتو بالجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم يساري مسلح تأسس في بداية سبعينيات القرن الماضي، وأقام علاقات مع حركات ثورية خارج اليابان، من بينها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد قادت فوساكو شيغينوبو نشاط التنظيم في الخارج، فيما جرى التنسيق مع شخصيات فلسطينية، أبرزها وديع حداد، المسؤول عن العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية.
أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة إلى أوكاموتو جزءاً من تصوره لصراع عالمي ضد الاستعمار والإمبريالية. وانتقل إلى الشرق الأوسط، حيث تلقى تدريبات عسكرية، وحمل الاسم الحركي «أحمد»، ليُعرف لاحقاً باسم «أحمد الياباني».
المشاركة في عملية مطار اللد
برز اسم كوزو أوكاموتو عالمياً في 30 ماي 1972، عندما شارك إلى جانب اليابانيين ياسويوكي ياسودا وتسويوشي أوكودايرا في الهجوم على مطار اللد، الذي أصبح يعرف لاحقاً باسم مطار بن غوريون قرب تل أبيب.
وصل الثلاثة إلى المطار على متن رحلة للخطوط الجوية الفرنسية قادمة من روما، مستخدمين وثائق سفر مزورة. وبعد تسلم حقائبهم، أخرجوا منها أسلحة رشاشة وقنابل يدوية وفتحوا النار داخل المطار. وأسفر الهجوم عن مقتل 26 شخصاً وإصابة عشرات آخرين؛ وكان بين القتلى 17 حاجاً مسيحياً من بورتوريكو، وثمانية إسرائيليين وكندي واحد.
قُتل رفيقا أوكاموتو أثناء العملية، بينما أصيب هو بجروح وألقي القبض عليه. وقد شكلت العملية حدثاً صادماً نظراً إلى عدد ضحاياها المدنيين، كما دفعت سلطات المطارات وشركات الطيران إلى تشديد عمليات تفتيش الأمتعة والإجراءات الأمنية.
قدمت الجبهة الشعبية العملية باعتبارها رداً على الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مطار بيروت الدولي سنة 1968 ودمر طائرات مدنية لبنانية، فيما وصفتها إسرائيل ودول أخرى بأنها هجوم إرهابي استهدف مدنيين. ويعكس هذا الاختلاف في توصيف العملية الانقسام السياسي والأخلاقي العميق الذي ظل يرافق سيرة أوكاموتو.
المحاكمة وسنوات السجن
خضع أوكاموتو للمحاكمة أمام محكمة عسكرية إسرائيلية، وحُكم عليه بالسجن المؤبد. وتشير تقارير صحفية إلى أنه كان يتوقع الموت أثناء العملية، وأنه طالب خلال المحاكمة بالحكم عليه بالإعدام، قبل أن تقرر المحكمة سجنه مدى الحياة.
أمضى نحو 12 إلى 13 عاماً في السجون الإسرائيلية، قضى جزءاً كبيراً منها في الحبس الانفرادي. وقالت الجبهة الشعبية إن ظروف الاعتقال القاسية تركت آثاراً نفسية وجسدية عميقة عليه، وظهر عند الإفراج عنه في حالة صحية ونفسية متدهورة.
وفي ماي 1985، أُطلق سراح أوكاموتو ضمن صفقة تبادل بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة، شملت إطلاق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين والعرب. وبعد الإفراج عنه، توجه إلى ليبيا ثم سوريا، قبل أن يستقر في لبنان.
اللجوء في لبنان
ظل أوكاموتو مطلوباً لدى السلطات اليابانية، وعاش سنوات طويلة بعيداً عن الأضواء. وفي عام 1997، اعتقلته السلطات اللبنانية مع عدد من رفاقه اليابانيين بتهمة استعمال وثائق مزورة والدخول غير القانوني إلى البلاد، وصدر في حقه حكم بالسجن ثلاث سنوات.
وبعد انتهاء مدة العقوبة عام 2000، رُحّل أربعة من رفاقه إلى اليابان، بينما منحته السلطات اللبنانية اللجوء السياسي، عقب تحركات سياسية وحقوقية قادتها فصائل فلسطينية وأحزاب وشخصيات لبنانية رفضت تسليمه. ومنذ ذلك الحين، عاش تحت رعاية الجبهة الشعبية، مع ظهور محدود في المناسبات العامة.
وكان من أبرز ظهوراته مشاركته في بيروت، في ماي 2022، في فعالية أقيمت بمناسبة مرور خمسين عاماً على عملية مطار اللد. وبدا حينها متقدماً في السن ومتأثراً بتدهور وضعه الصحي، لكنه ظل يحظى بمكانة رمزية لدى بعض الأوساط الفلسطينية واللبنانية.
رحيل «أحمد الياباني»
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفاة أوكاموتو في بيروت بعد معاناة طويلة مع المرض، ووصفته بأنه أحد الشخصيات التي كرست حياتها لدعم القضية الفلسطينية، معتبرة أنه ظل متمسكاً بمواقفه حتى سنواته الأخيرة.
ويرحل كوزو أوكاموتو تاركاً وراءه سيرة شديدة التعقيد والانقسام؛ فهو بالنسبة إلى مؤيديه ياباني تجاوز حدود اللغة والجغرافيا وانخرط في الدفاع عن شعب بعيد عن وطنه، بينما يبقى بالنسبة إلى عائلات ضحايا مطار اللد مشاركاً في هجوم أودى بحياة مدنيين أبرياء.
وبين هاتين الروايتين، يظل اسم «أحمد الياباني» مرتبطاً بمرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية شهدت تداخلاً واسعاً بين الحركات الثورية الدولية والتنظيمات الفلسطينية، وبفكرة التضامن العابر للحدود التي طبعت سبعينيات القرن العشرين.