لا يبدو ان الأبواب الخمسة للكتاب قد تعرضت بشكل مباشر لكافيتيريا الدار، عدا الباب الرابع والخامس، منه، ليتم إثارتها -بسرعة ولماما- في باقي الأقسام الأخرى، حيث تمت الإشارة إلى توترات ما بعد أحداث ماي 1968، والعرج على تجربتي المصارفة الذاتية والتشاركية للقاطنين في الدار عموما، ومنها المقهى، عرضا، واحداث متفرقة ومختلفةأخرى، ودون إهتمام خاص بها أو إفراد نقطة مميزة لها في الكتاب، وفي هذا أهمية ولا أهمية -في آن- لما كانت عليه وأصبحت ولعبته المقهى من دور في نبش الذاكرة والأعمال والانشطة …
تعتبر كافتيريا دار المغرب بباريس والصالون الصغير والريسطو- المطعم والمكتبة…….أكثر من مكان أسفل الدار- المقهى، او مكان عابر لإحتساء بن/قهوة برازيلية أو لشرب شاي مغربي أصيل، بل هي وشم موصول، قد يصيبه البهت واللامبالاة، وهي ذاكرة مرت من محطات متباينة وعدة، ومن سكون وازمات وإضرابات عن الطعام وإغلاقات وتدبير لافت ومختلف وبديل مرحلي لشؤونها، غيرت وقد تكون عكرت وجودها وسيرها، فكادت أن تقضي عليها، وعلى إرثها المادي- العمراني المتآكل واللامادي الممتد بعيدا وعبر عشرات السنين والمحطات، …
ومن المعلوم ان البناء لا معنى له في حد ذاته إلا ما تخوله له الوظائف التي يخدمها والأدوار التي يبتغيها القيمون عليه ولنفسه منه، مادام “كل إناء بما فيه ينضح !”، كما تقول العرب، وما دام تقاطع العبرات ليس صدفة بصرية، أبدا، بل له معنى نفسي- إجتماعي قوي وإعتراف ما بالوجود والكينونة للآخر، حتى أن تلك الوظاءف والأدوار تتحول عبر الزمن، وقد تنقلب تماما على غاياتها الأولى مع مر السنون و مزاج ومواقف الناس والسياسات والأنشطة والسياقات، ولما تكاد تخرج، أو هي خرجت فعلا، عن السيطرة، عن ما أرادت أن تكرسه لها السلطات الكولونيالية -حينها- وما بعدها، والإدارة الفرنسية المحلية، بعدءد، و كذا مبتغى السلطة بالبلاد، بعدها، في أن تمنحه لها من وظاءف محددة وأصلية.
ما نقدمه عبارة عن قراءة دياكرو- سانكرونية سريعة لمتن تاريخي مشترك وراهن، متحرر بما فيه الكفاية من سردية وهيمنة الغرب، وتثير عبره حيوات المقيمين والمعارضين والمثقفين وعابري السبيل والنزلاء خارج القواعد، مما يذكرنا بمواضيع المؤرخين والأكاديميين المتمردين من أصحاب “خطاب-دراسات التابع” على الخطاب الكولونيالي المركزي ( أنظر خالد طحطح، التاريخ ومابعد الكولونيالية، 2019) ، وذلك لإرساء ممارسة جديدة أدبية وبحثية لمرحلة ما بعد الإستعمار ( أنظر الراءد في ما بعد الكولونيالية إدوارد سعيد، وفانون وميمي، وآخرون.. )، مما يذكرنا بعابري سبيل الدار، يتقابل في ما نقدمه منضوران للمكان والزمان، الكينونة، من جهة والذاكرة، من جهة أخرى، وقد تكون بهذا قراءة فلسفية متواضعة في تاريخ مكان، في فلسفة التاريخ وليس في تاريخ هذه الأخيرة.
الملاحظ إنتقال البحاث من الإكتفاء بالوصف الموضوعاتي الصرف ومن مضامين العمل/ المشروع البحثي إلى البحث التاريخي في طرق التاليف، بل ويمكن للمؤرخ الممتهن ان يهتم بالصور والتمثلات والرموز على أساس أنها تساعد على فهم الممارسات الإجتماعية، لتتحول النظرة للتصورات إلى جزء من التاريخ الإجتماعي، كما يرى ع. الأحد السبتي في أوراشه المفتوحة منذ مايزيد عن عشرين سنة خلت في مجال التاريخ والذاكرة (2012).
والحال أن القلق ساد الكتابة التاريخية المعاصرة ( أنظر خالد طحطح، 2012)، بعد موجة ما بعد البنيوية وما أصبح يعرف بالتاريخ الجديد، بما يستبطن ذلك من شكوك وفوضى وسؤال جدوى التغيير.
ومن المعلوم ان تأثير ما يعرف لدى المختصين بمدرسة الحوليات إمتد إلى إنشغالات باقي الدول العربية بعد أوروبا وامريكا، طبعا، ليتم ضخ نفس جديد في حقل الأسطوغرافيا، في تجاوز لمقاربات التاريخ الجديد وتأثيرات التيار البنيوي.
لقد إنتعشت مؤخرا نماذج من فلسفات التاريخ الكبرى، ليتم التشكيك المنهجي ويعم قلق البحاث في مجال التاريخ حول موضوعاتها، بالذات، كفكرة الغاءية في التاريخ وموضوعية المؤرخ والتاريخانية وعلمية التاريخ وقوانينه، كما هي متداولة لدى مفكرين كلاسيكيين كبار كهيجل وماركس، وغيرهما، إلخ. ومعلوم ان الفلسفة تمتزج بالتاريخ وتصبغه بنظرتها، خاصة لدى المفكرين التأمليين الكبار، عكس النقديين منهم، باعتماد العلية والقانون والحتمية لتفسير تاريخ البشرية…، على ان تفسير الحوادث التاريخي يبقى إجتهادا بشريا يحتمل الخطأ والصواب، طبعا، في ما يعتمده من مناهج للتحقق من الوقاءع التاريخية، في حين ايضا ان “المؤرخ المحترف لا يعترف بإمكانية وجود لا فلسفة تاريخ ولا تاريخ فلسفي”، كما يحسم طحطح (2012) ذلك، بقوة..، مسجلا المسافة بين التاريخ والفلسفة.
وقد إنحاز تطور الأسطوغرافيا الجديدة، مع مدرسة الحوليات خاصة، نحو قضايا الإقتصاد والمجتمع والديموغرافيا والفيليلوجيا، في تحرر واضح للكتابة التاريخية من وصاية التاريخ الرسمي، وبالمرة من اللعبة السياسية، برمتها….
والحق ان إبن خلدون يعتبر مؤسسا لعلم التاريخ ومبدع لعلم العمران وفي مستوى فلاسفة الانوار ( أنظر ع. الله العروي..) بالضبط، بل وحدد مباديء النقد التاريخي الصارمة، بالذات، بفاصل تلاثة قرون خلت وسبقت، قبل باتيستا فيكو المتفلسف في تاريخ الرومان والإغريق، على شاكلة إبن خلدون، متفلسفا في تاريخ العرب والمسلمين.
وفي المحصلة، يبدو أن الفلاسفة أنتجوا فلسفة للتاريخ شاهدة على نوع من التبادل المضبب وغير المتقطع الذي جمع الفيلسوف داءما بالتاريخ ( خ. طحطح، مصدر سابق ).
فرضية للتقصي:
وبذلك يمكن التعامل مع كافيتيريا الدار كذلك العشب الرديء الذي ينمو من وسط، أو يطلع من تحت ليكتسح الفوق، او العكس، لا يخضع لمبدإ قار ولا يستهدف غاية بعينها، كنبات أخرق لا بداية له ولا نهاية، ولا أصل له ولا غاية، كما يقول جيل دولوز في مفهوم الجذمور/ الريزوم..، إذ لا وجود للعشب إلا من بين الأماكن غير المغروسة، أو المهملة المشوشة والغير الرغوب فيها بتاتا، او الغير- مراقبة، كفاية. إنه يملأ الفراغات، وهو ينبت بين – بين ( أنظر ع. السلام بنعبدالعالي، 2015 )، بين الأشياء، العشب تدفق، إنه درس في الأخلاق والتهذيب والتشذيب للقيم، دينية كانت أو روحانية- صوفية…، كما قد نقرأ لدولوز جيل في مؤلف مشترك له عن هينري ميلر، فالأعشاب لا تزول بقطع جذورها، من تمنعها، إذ سرعان ما تتجدد وتتدفق من أية نقطة صوب أية وجهة، فتفيض على الحدود وتغير الآلات الثناءية وفق خطوط هاربة كجزىء من لوحة رسام، ليس الهروب بعيدا وإنما خارجا،…
إنها/ الكافيتيريا المكان-المختبر الأول لللقاء – التلاقي والتشاور والحوار والتنشءة والتعارف وتبادل الفكرة والرأي والبديهة وتسهيل العيش المشترك والإختلاط والإحترام، وان كانت عابرة وفي الممرات والبهوات، ومنسج النظرات الزاءغة أو اللافتة او المنفلتة- القلقة، في إنتظار تنظيم الحظور المحكم المأمول للفاعلين في أيام او أسابيع ثقافية وفنية كاملة، مبهرة وهاءلة، زمان زخم النشاط الطلابي ومجالس القاطنين وعنفوان النقابة الطلابية لأوطم و حراك المناضلين والمعارضين والمثقفين والعابرين والسريين/ات….حول مفاهيم قوية عريضة بمستوى الأمة والدولة والوطن والشعب والوحدة والحدود والأستعمار والأمبريالية…..! قبل أن تأخد -في المنتهى- طابعا عاديا ورسميا منضبطا، قد يطرح سؤال الذاكرة والنسيان والأخلاق والآن والمستقبل على المقيمين الجدد…!
لقد ظلت الكافتيريا جناح مركب عكس مخاضات المواقف التي تتفاعل وتنفعل بها الدار، عموما، منذ إفتتاحها سنة 1953، وكأنها الحلقة المحورية- الدوار- الكارفور التي تنطلق منها الحدود الأولى لطرح الفوارق الإبستمية، وإن على عجل، بين مفاهيم من حجم الأمة والوطن، وما يستتبع ذلك من إشكالات اللغة والتراب والساكنة…، وكأنها تريد أن تستثمر بطريقتها وعبر مريديها في بث بذور الوجود و ريزوم ( هايدغر…) التأسيس للوطن وافقه، والمساهمة -جيليا وتباعا- في إعطاءه شكلا ومحتوى…
وقد احتضنت كراسي وطاولات الكافتيريا منذ 1960 إطلالة ومكان وملاذ أولى لإرهاص وتكوين وتخمير وإعادة تشكيل الوعي السياسي للنخب المارة بالدار، في تواصل ملازم ومرتبط الصدى لما يعتمل في المحيط الوطني والدولي…
كانت عتبة تجسد وتمثل المجتمع المغربي، مغرب مصغر، حيث يتم التواصل وكسر الحاجز والتحدي والإحراج والفضول والإنجذاب والإستقطاب وتقاطع النظرات والتداول الدولي اللاشكلي و الفريد، وحيث تتولد أو يعاد النظر الاولي في التحولات الإجتماعية والثقافية التي يترقبها المغرب، عشر سنة أو عشرين سنة من بعد، لتأسيس الرعيل الاول – الفركفوني للدولة- الوطنية- المغربية!
سيكون من المفيد الإشارة إلى الأثر الذي خلفته أحداث 1968 على الأجواء داخل الدار عموما وفي الكافتيريا، ايضا. لقد كان الوضع ملتبسا مابين 1968 و 1970، حيث تحول التدبير الذاتي إلى ما يمكن تسميته بالتدبير – التشاوري/ التشاركي، بما فيه تدبير المقهى، طبعا ( التمويل، أداء ساعات العمل بالمقهى …)، وقد كان عن حق تجربة أصيلة، عرفت فيها الأنشطة الجمعوية طابعا طلاءعيا ومعارضا لافتا للقصر( نذكر قضية بن بركة، مؤتمر أوطم، ندوة عبد الكريم الخطابي،…) ضد كل الوان السلطوية، و كانت أيضا حظيرة فارقة للنسوية المغربية ( نذكر بالحضور الفاعل للرفيقة عباد الأندلسي…..)، وقد أعطى ذلك توازنا غير قار للدار، عموما، مما إعتبره المجلس الإداري للحي، آنذاك، أمر غير عادي…
لقد كانت حقبة الثمانينات حقا ذروة الدار والجلبة بالمقهى، لتصل الأنشطة الثقافية أوجها، وليتحول حلم الوطن إلى الحلم بأمة ( 1992- 2002) مع صعود الإسلاميين ضدا على اليساريين المغاربة، سنينا عددا قبل تواجدهم/ الإسلاميين في البرلمان المغربي 1979/ 2002، بل وقبل إعتلاءهم تدبير الحكم بالبلاد، على عهد العدالة والتنمية، عقب حركة 20 فبراير 2011، لكن أيضا علامة من علامات تفكك الدار و تمزقها…فأزمة النزلاء/ الإحتلال السكني بلا عقود كراء ولا موافقة رسمية للإدارة/ إستغلال الشقق وغير الشقق والممرات وسوء تدبير الدار والمقهى..ومحاولات الإفراغ بالقوة…
كما أدى تعاضم العجز لدار المغرب عموما سنة 1980 ، والتي تجمع ما يقارب 200 طالب مغربي وأجنبي، منذ 1953، إلى إغلاق كاد أن يكون نهاءيا، ليتحمل المغرب تكلفته، مما سيسمح بتأهيل وتجديد المباني، شكلا ورمزا، تشهد عليه بوابة/ المدخل الدار المغربية الرفيعة، وسقف الصالون المغربي على يد زواق القصر المعروف آندري باكار، … مما سيسمح برجوع الحكم بقوة. وللتذكير فسيكون الأمير سيدي محمد، آنذاك، ملك المغرب اليوم، وليس الحسن الثاني، من دشن إعادة إفتتاح الدار سنة 1982….
لقد إتخذ القصر مبادرة إستباقية لإعادة البناء، على طريقته، ترميما وتنميقا وضبطا، وليتحول المكان -بالتدريج- إلى مكان رسمي ممأسس ومبتذل وعادي، لطلبة عاديين، ومن مستوى الماستر فما فوق، أحيانا كثيرة، وليتراجع هاكتيفيزم اللاحقين من أعضاء مجالس القاطنين التي اصبحث مجزأة ومتفرقة ومشتتة وقليلة الأهتمام بالشأن السياسي العام، خاصة، عوض مكان حافل للذاكرة الحية النشيطة والمنفلتة للسابقين/ الريزوم….و لتكون بذلك بداية صيرورة التطبيع الرسمي، بوضع يد الإدارة على الدار وضبط النشاط الثقافي فيها..
لقد ساهمت حقا ازمة النزيل/ المحتل للسكن والمريد للكافتيريا، على مر العشرين سنة الأخيرة، وكذا طول زمن الإغلاق في تشتيت وبعثرة الدار كمؤسسة، واضاعت الكثير من حضنها للذاكرة. إنها الآن، بما فيها الكافيتيريا، طبعا، مؤسسة بمجلس إدارة مرؤوس بقانون من طرف سفير المملكة المغربية بباريس. لقد كانت الدار وفضاءاتها تمثل عن حق مغربا مصغرا يبحث عن نفسه وكينونته، ولو في “الفوضى المنظمة” والعبث والإنتقال اللامنتهي، وأصبح اليوم واجهة عادية للمفخرة و لشيء من الرياء الرسمي الغليظ….
ذ. ع. الواحد حمزة، كاتب فرع تمارة للإشتراكي الموحد، وعضو مجلسه الوطني
——————————————