مجتمع

تقرير حقوقي يرصد تداعيات أحداث سبتة.. مخاوف من العنف وخطاب الكراهية واستغلال هشاشة القاصرين

سلسلة من «نقط اليقظة» أنجزها المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، بمبادرة من معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان

الحنبلي عزيز -تنوير -متابعة

في أعقاب محاولات عبور عدد من المواطنين المغاربة نحو سبتة، تحولت الأحداث خلال أيام قليلة من واقعة حدودية إلى ملف إنساني وحقوقي معقد، تتداخل فيه قضايا الهجرة والعنف وخطاب الكراهية وحماية القاصرين والنساء، إلى جانب مخاطر الاستغلال الاقتصادي والتوظيف السياسي المتزايد للأحداث.

هذا ما تكشفه سلسلة من «نقط اليقظة» أنجزها المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، بمبادرة من معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، في إطار عملية رصد امتدت من نهاية يوليوز إلى 9 غشت 2026، وشملت محتويات منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، وشهادات عائدين من سبتة، ومقاطع فيديو، وتغطيات إعلامية وتصريحات عمومية.

من الهجرة إلى خطاب الكراهية

بدأت أولى مؤشرات القلق، وفق التقرير، مع ما وصفه بتزايد المحتويات التي قد تغذي خطابات تمييزية وعنصرية وكارهة للأجانب ضد الأشخاص الذين شاركوا في محاولات العبور، مع احتمال امتداد آثار هذه الخطابات إلى المغاربة المقيمين في عدد من البلدان الأوروبية.

ورصدت عملية التتبع انتقال جزء من النقاش من مناقشة السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة إلى استهداف الأشخاص أنفسهم بسبب الجنسية أو الأصل، من خلال تعميمات وصور نمطية وتعليقات تمس بكرامتهم.

ولم تكن النساء والفتيات بمنأى عن هذا المناخ، إذ سجل التقرير تعليقات استهدفت مظهر بعض النساء اللواتي ظهرن في مقاطع العبور وملابسهن وما اعتبره أصحاب تلك التعليقات «أخلاقهن»، وهو ما اعتبره الرصد شكلاً من أشكال الوصم القائم على صور نمطية جنسانية، قد يتقاطع مع التمييز والعنف الرقمي.

واعتمدت هذه المرحلة الأولى وحدها على تحليل 1245 منشوراً وفيديو وتعليقاً جُمعت بين 29 و31 يوليوز على منصات «إكس» وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، إلى جانب تتبع الصحافة الرقمية والتصريحات العمومية بخمس لغات.

شهادات عن العنف وصعوبات الحصول على الغذاء والماء

ومع توالي عودة عدد من الأشخاص من سبتة، انتقل الرصد إلى شهاداتهم وما نشر من تسجيلات مصورة.

وبحسب الوثيقة، تحدث عدد من العائدين عن تعرضهم لمطاردات واعتداءات وأعمال عنف، في حين أظهرت بعض المقاطع التي حللها فريق الرصد أشخاصاً يتعرضون للضرب أو المطاردة.

كما يشير التقرير إلى مقطعين تم التحقق من مكانهما وتاريخهما، يظهر فيهما شخص بلباس مدني وهو يصوب سلاحاً نارياً في اتجاه أشخاص موجودين بسبتة، من دون أن يتيح التسجيل، وفق التقرير، إثبات وقوع إطلاق نار، وهو ما دفع الجهة الحقوقية إلى المطالبة بتحقيق مستقل وفعال لتحديد ملابسات الواقعة والمسؤوليات المحتملة.

إلى جانب ذلك، سجل التقرير شهادات بشأن صعوبات في الوصول إلى الغذاء والماء وبعض المواد الأساسية، مع حديث بعض الأشخاص عن أسعار اعتبروها مرتفعة بشكل غير اعتيادي، فضلاً عن شعور عدد من المستجوبين بعدم كفاية المساعدة الإنسانية المتاحة في الفضاء العام خلال وجودهم في سبتة.

استقطاب سياسي وخوف من دوامة العنف

وتشير الوثيقة إلى أن التطورات لم تبقَ محصورة في بعدها الإنساني، بل تحولت سريعاً إلى موضوع استقطاب سياسي داخل إسبانيا.

فقد رصدت مظاهرات رافضة لسياسة الحكومة الإسبانية في مجال الهجرة، رُفعت في بعضها شعارات مناهضة للمهاجرين، وسُجلت، بحسب التقرير، خطابات ذات طابع معادٍ للمسلمين.

كما سجلت الوثيقة حضور شخصيات ومجموعات مرتبطة باليمين المتطرف الإسباني في سبتة، في سياق اعتبرته قابلاً لاستغلال قضية الهجرة في تأجيج الاستقطاب السياسي.

وفي العالم الرقمي، برز خطر آخر تمثل في نشر صور وهويات أشخاص قُدموا على أنهم متورطون في اعتداءات، مصحوبة أحياناً بتهديدات أو دعوات إلى الانتقام. وحذر التقرير من أن هذا المسار قد يقود إلى حلقة من العنف والعنف المضاد، مؤكداً أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

ادعاءات بشأن الاستخدام المفرط للقوة

وفي مرحلة لاحقة، تناول الرصد مقابلات مع أربعة مواطنين مغاربة عادوا من سبتة وظهرت على أجسادهم إصابات وكدمات، وقالوا إنهم تعرضوا للعنف خلال وجودهم هناك، ونسب بعضهم ذلك إلى عناصر من الحرس المدني الإسباني.

غير أن التقرير يشدد بوضوح على أنه لم يتمكن من إثبات الظروف الدقيقة لهذه الإصابات أو تحديد المسؤوليات بشكل مستقل، لكنه اعتبر وجود إصابات ظاهرة وتقاطع بعض الشهادات سبباً يبرر فتح تحقيقات معمقة ومحايدة.

وفي السياق نفسه، أثار التقرير مسألة حماية الضحايا والشهود، ملاحظاً أن بعض التغطيات الإعلامية أتاحت التعرف بصورة مباشرة على أشخاص قالوا إنهم تعرضوا للعنف، وهو ما قد يعرضهم، بحسب الوثيقة، للوصم أو الانتقام أو إعادة الإيذاء.

ودعا الإعلاميين وصناع المحتوى إلى اعتماد مبدأ «عدم الإضرار»، بما في ذلك طمس الوجوه وحجب المعلومات التي قد تسمح بالتعرف على الضحايا عندما لا تكون الهوية ضرورية لإخبار الرأي العام.

تحسن في الاستجابة الإنسانية.. لكن المخاوف مستمرة

في مقابل هذه المؤشرات المقلقة، سجل التقرير خلال الأيام اللاحقة تحسناً في الاستجابة الإنسانية.

وأشار إلى حضور أوضح لفرق الصليب الأحمر الإسباني، وإلى مبادرات تضامنية قام بها بعض سكان سبتة، من بينها توفير الطعام والإيواء المؤقت والمرافق الصحية، فضلاً عن مبادرات ترجمة ومساعدات قدمتها جمعيات محلية.

كما وثقت عملية الرصد عدداً من التدابير التي أعلنت عنها السلطات الإسبانية، بينها توفير مرافق للاستحمام، وتنفيذ تدخلات صحية، وتعبئة عناصر من الشرطة والحرس المدني، فضلاً عن الإعلان عن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو للتكفل الطارئ بالأطفال المهاجرين غير المصحوبين.

لكن هذا التحسن لم ينهِ المخاوف. فالوثيقة تشير إلى شهادات بشأن استغلال اقتصادي محتمل لأشخاص في وضعية هشاشة، من خلال كراء مساكن بأسعار قد تصل إلى نحو 100 يورو لليلة، إضافة إلى استمرار الغموض حول عدد المفقودين والوفيات المرتبطة بالأحداث.

القاصرون في صلب القلق الحقوقي

وتحتل وضعية القاصرين حيزاً أساسياً في آخر مراحل الرصد.

فالتقرير يعبر عن «قلق بالغ» إزاء معلومات وشهادات إعلامية بشأن اعتداءات جنسية مفترضة استهدفت قاصرات، من بينها معطيات تتحدث عن إخضاع فتيات دون الرابعة عشرة للرعاية الطبية، مع الإشارة إلى وجود تحقيقات في عدد من الشكايات.

ويؤكد التقرير أن هذه المعطيات، بالنظر إلى خطورتها، تقتضي استجابة متخصصة وفورية، مع التشديد على ضرورة التحقق الدقيق من عدد القاصرين المعنيين وتوفير الحماية والرعاية الطبية والنفسية والقانونية لهم.

كما سجل استمرار وجود بعض القاصرين في الفضاء العام دون حلول إيواء مناسبة، مع اعتماد بعضهم على مبادرات تضامنية فردية، وهو ما اعتبرته الجهة الحقوقية غير كافٍ ولا يمكن أن يحل محل منظومة مؤسساتية لحماية الطفولة.

الهشاشة الاجتماعية وراء بعض محاولات العبور

ومن بين النقاط اللافتة في الوثيقة أيضاً، شهادات لشباب عائدين من سبتة قال بعضهم إنه يمتلك شهادات أو كفاءات مهنية لكنه يجد صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل بسبب وجود سوابق قضائية.

ويرصد التقرير أن بعض هؤلاء الشباب قدموا شعورهم بالإقصاء وانسداد الآفاق المهنية باعتباره أحد العوامل التي أثرت في قرارهم محاولة العبور، دون أن يقرر التقرير وجود علاقة سببية عامة بين الظاهرتين.

ودعت الجهة الحقوقية، في هذا الصدد، إلى فتح نقاش حول آليات إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني للأشخاص الذين قضوا عقوباتهم، انطلاقاً من الحق في «فرصة ثانية» والحق في العمل دون تمييز.

بين التدبير الأمني والواجب الإنساني

في خلاصتها، تضع الوثيقة قضية سبتة في مساحة تتجاوز بكثير مسألة ضبط الحدود، إذ تعتبر أن تعدد عوامل الهشاشة، من قاصرين دون مأوى، ونساء معرضات للخطر، وأشخاص يعيشون في ظروف مادية صعبة، إلى جانب انتشار خطاب الكراهية وظهور وسائل عبور شديدة الخطورة، يفرض مقاربة تجعل حماية الإنسان في صلب التدخل العمومي.

وتدعو إلى تحديد وضعية القاصرين وحمايتهم، وضمان وصول الضحايا المفترضين إلى الرعاية الطبية والنفسية والقانونية، والتحقيق في مزاعم الاعتداءات والعنف والوفيات، وتوفير حلول إيواء آمنة، ومحاربة الاستغلال الاقتصادي، والحد من خطابات التحقير والتحريض والكراهية.

وتظل نقطة أساسية حاضرة في مختلف أجزاء التقرير: الكثير من المعطيات المعروضة ما تزال شهادات أو ادعاءات أو معلومات قيد التحقق، ولا تشكل أحكاماً نهائية بشأن الوقائع أو المسؤوليات. فالوثيقة نفسها تؤكد أن تحديد الحقيقة القانونية وإسناد المسؤوليات يبقى من اختصاص التحقيقات والسلطات المختصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى