افتتاحية

أزمة سبتة تعود إلى الواجهة.. مدريد تستدعي سفيرة المغرب وزيارة فيليبي السادس تثير جدل السيادة ومفارقة جبل طارق

 الحنبلي عزيز-تنوير 

دخل ملف سبتة ومليلية مرحلة جديدة من التوتر الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، بعدما كشف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الخميس 3 شتنبر 2026، أن حكومته استدعت سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنيعيش، يوم 21 غشت الماضي، احتجاجا على تصريحات أدلى بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق بشأن السيادة على المدينتين.

وأكد سانشيز، خلال مثوله أمام مجلس النواب الإسباني، أن مدريد اعتبرت تصريحات الوزيرين المغربيين بشأن سبتة ومليلية «غير مقبولة»، مشددا على تمسك الحكومة الإسبانية بسيادتها على المدينتين. وأكدت وكالة «إيفي» أن السفيرة المغربية استدعيت بالفعل يوم 21 غشت على خلفية تصريحات وهبي والتوفيق.

ويأتي هذا التطور في وقت عاد فيه الحديث بقوة عن زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية. وكان سانشيز قد أكد، في 31 غشت، وجود «أسباب وحجج كافية» لكي يقوم العاهل الإسباني بزيارة المدينتين، من دون أن يعلن تاريخا محددا، موضحا أن الأمر سيتم بالتنسيق بين الحكومة والقصر الملكي. وستكون الزيارة، في حال تنظيمها، الأولى لفيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014.

وتكتسب الزيارة المرتقبة أهمية سياسية ورمزية واضحة، بالنظر إلى حساسية ملف السيادة في العلاقات بين الرباط ومدريد، خصوصا أنها تأتي بعد أسابيع من أزمة الهجرة غير المسبوقة التي عاشتها سبتة، وبعد عودة المطالب المغربية بشأن المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي.

الرباط تتمسك بـ«الحقوق التاريخية والجغرافية»

كان وزير العدل عبد اللطيف وهبي قد جدد التأكيد على ما وصفه بـ«الحقوق التاريخية والجغرافية» للمغرب في سبتة ومليلية، داعيا إلى إيجاد إطار للحوار مع إسبانيا لمناقشة مستقبل المدينتين والوصول إلى حل نهائي لوضعيتهما.

وقال وهبي إن قضية سبتة ومليلية ستظل موضوعا للحوار بين المغرب وإسبانيا، مؤكدا التمسك بما سماه «الحق التاريخي والحق الجغرافي»، وداعيا إلى إيجاد آلية للحوار تسمح في نهاية المطاف بـ«عودتهما إلى حضن الوطن».

وبعد تصريحات وهبي، استحضر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق مدينة سبتة في كلمة ألقاها أمام الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي، متناولا تاريخ المدينة وإسهامات عدد من علمائها في الذاكرة الدينية والعلمية للمغرب، في سياق وردت فيه كذلك إشارات إلى «تحرير المدن المحتلة».

وأثارت هذه الإشارات اهتماما واسعا داخل إسبانيا، بالنظر إلى صدورها أمام الملك محمد السادس وفي ظرف سياسي شديد الحساسية، وقرأتها وسائل إعلام وأوساط سياسية إسبانية باعتبارها مؤشرا على استمرار حضور ملف سبتة ومليلية في الخطاب المغربي.

ومع ذلك، فإن الدقة تقتضي التمييز بين تصريحات أعضاء في الحكومة وبين إعلان تغيير رسمي في السياسة الخارجية للدولة؛ إذ لم يصدر عن المغرب، بالتزامن مع هذه التصريحات، إعلان عن مبادرة دبلوماسية جديدة أو جدول زمني للتفاوض على السيادة.

وفي المقابل، سارعت مدريد إلى إعلان رفضها «القاطع» لأي مطالبة مغربية بالمدينتين، مؤكدة أن سبتة ومليلية، وفق موقفها الرسمي، جزء من «السيادة والوحدة الترابية لإسبانيا» ومن تراب الاتحاد الأوروبي.

سبتة ومليلية.. خلاف على السيادة وتباين في توصيف «الاستعمار»

جوهر الخلاف يتجاوز أزمة الهجرة الحالية، ويرتبط أساسا بوضع مدينتين تقعان جغرافيا في شمال القارة الإفريقية وتخضعان للسيادة والإدارة الإسبانية.

من المنظور المغربي، تقدم سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين محتلتين وبقايا للوجود الاستعماري الإسباني في شمال إفريقيا، وتستند هذه القراءة إلى الاعتبارات التاريخية والجغرافية وإلى مطلب استكمال الوحدة الترابية.

أما إسبانيا فتعتبر سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين تتمتعان بالحكم الذاتي وترفض وضعهما في خانة المستعمرات أو فتح مفاوضات بشأن السيادة عليهما. وقد كررت الخارجية الإسبانية في غشت الماضي تمسكها بـ«سيادة ووحدة أراضي إسبانيا» في معرض حديثها عن المدينتين.

ومن الناحية الأممية، توجد نقطة أساسية ينبغي توضيحها حفاظا على استقلالية ودقة النقاش: سبتة ومليلية ليستا مدرجتين حاليا على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لمسار تصفية الاستعمار.

وتضم القائمة الأممية 17 إقليما، من بينها جبل طارق، إلى جانب أقاليم أخرى، لكنها لا تتضمن سبتة ومليلية. ولذلك فإن وصف المدينتين بـ«المستعمرتين الإسبانيتين» يعكس أساسا الموقف والقراءة المغربية للملف، ولا يمثل توصيفا قانونيا صادرا عن الأمم المتحدة.

غير أن هذا الاختلاف في الوضع الأممي لا يلغي الجدل التاريخي والسياسي، ولا حقيقة أن المدينتين تقعان جغرافيا في إفريقيا، وهو ما يجعل مسألة الإرث الاستعماري والحدود التي خلفتها المراحل التاريخية السابقة حاضرة بقوة في السجال بين البلدين.

مفارقة جبل طارق.. هل تستخدم مدريد معيارين مختلفين للسيادة؟

ويبرز في هذا النقاش جانب آخر يستحق التوقف عنده، يتعلق بالمقارنة بين الموقف الإسباني من جبل طارق وبين موقف مدريد من سبتة ومليلية.

فإسبانيا تعتبر جبل طارق «مستعمرة» بريطانية وتطالب باسترجاع السيادة عليه، مستندة بصورة أساسية إلى مبدأ الوحدة الترابية الإسبانية، وإلى قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار، فضلا عن اعتراضها على امتداد الوجود البريطاني إلى أجزاء تقول إنها لم تكن مشمولة بالتنازل الوارد في معاهدة أوترخت لسنة 1713.

واللافت أن وزارة الخارجية الإسبانية نفسها تصف جبل طارق رسميا بأنه «مستعمرة» و«بقايا استعمارية»، وتعتبر أن المبدأ الواجب تطبيقه في تصفية استعمار الإقليم هو استعادة الوحدة الترابية لإسبانيا. كما تؤكد مدريد أن استمرار الاحتلال البريطاني لبرزخ جبل طارق لا يمنح بريطانيا، في نظرها، حقا في السيادة عليه بمجرد مرور الزمن.

وبذلك، فإن إسبانيا لا تقبل بأن يكون مرور أكثر من ثلاثة قرون على السيطرة البريطانية على جبل طارق كافيا وحده لإغلاق ملف السيادة، رغم أن بريطانيا حصلت على جبل طارق بموجب معاهدة أوترخت الموقعة سنة 1713.

وفي المقابل، عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، ترفض مدريد أي نقاش مماثل بشأن السيادة، وتستند إلى الحضور الإسباني التاريخي الطويل وإلى اعتبار المدينتين جزءا من وحدتها الترابية.

ومن هنا تبرز مفارقة سياسية يمكن أن تشكل عنصرا أساسيا في النقاش: إذا كان التقادم التاريخي لا يكفي، من وجهة النظر الإسبانية، لإغلاق ملف جبل طارق أمام المطالبة الإسبانية، فهل يكفي التقادم نفسه لإغلاق أي نقاش حول سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة قبالة الساحل المغربي والتي يعتبرها المغرب أراضي محتلة؟

وبصيغة أخرى، تتمسك مدريد في ملف جبل طارق بفكرة أن واقع السيادة المستمر منذ قرون لا يمحو المطالبة القائمة على الوحدة الترابية والتاريخ، بينما ترفض تطبيق منطق مشابه عندما يستند المغرب إلى الجغرافيا والتاريخ للمطالبة بسبتة ومليلية.

ويمنح الموقع الجغرافي هذه المقارنة بعدا إضافيا: فجبل طارق متصل جغرافيا بشبه الجزيرة الإيبيرية، وهو عنصر حاضر في الحجة السياسية الإسبانية المرتبطة بالوحدة الترابية؛ وفي الجهة المقابلة توجد سبتة ومليلية في شمال القارة الإفريقية ومحاذيتين مباشرة للتراب المغربي.

لكن، ومن أجل عدم السقوط في مقارنة قانونية مبسطة، توجد بين القضيتين فروق ينبغي تسجيلها أيضا.

فجبل طارق مدرج رسميا منذ سنة 1946 ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتصفه وثائق الأمم المتحدة لسنة 2026 بأنه إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي تديره المملكة المتحدة، مع تسجيل النزاع القائم بين لندن ومدريد بشأنه. أما سبتة ومليلية فلا توجدان على هذه القائمة الأممية.

لذلك فإن الحديث عن «تناقض إسباني» يظل قراءة سياسية وتاريخية قابلة للنقاش أكثر منه إثباتا لتماثل الوضعيتين في القانون الدولي.

إلا أن المقارنة تظل مشروعة سياسيا من زاوية المبادئ التي تستند إليها كل دولة في الدفاع عن مطالبها: إسبانيا تستدعي في جبل طارق مفاهيم الوحدة الترابية وتصف الوجود البريطاني بالاستعماري وترفض اعتبار مرور الزمن حاسما، بينما تتمسك في سبتة ومليلية بواقع سيادتها التاريخية وترفض وضع الملف أصلا على طاولة التفاوض.

اتفاق تاريخي حول جبل طارق.. الحدود تسقط لكن النزاع على السيادة يبقى

وتزداد هذه المفارقة أهمية بعد التطورات الأخيرة في ملف جبل طارق.

فقد وقع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة رسميا في 14 يوليوز 2026 اتفاقا تاريخيا بشأن جبل طارق، بمشاركة سياسية إسبانية مباشرة، هدفه تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وإنهاء جانب كبير من القيود الحدودية التي فرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وينص الإطار الجديد على إزالة الحاجز الحدودي وتيسير التنقل بين جبل طارق وإسبانيا، بما يخدم آلاف العمال الذين يعبرون يوميا بين الجانبين، إلى جانب وضع ترتيبات جديدة للحدود والجمارك والتعاون الأمني والاقتصادي.

لكن الاتفاق لم يعن تنازل أي طرف عن موقفه بشأن السيادة.

فالحكومة الإسبانية شددت عند تقديم الاتفاق على أن موقفها ومطالبتها بالسيادة على جبل طارق يظلان قائمين، في حين أعلنت الحكومة البريطانية بدورها أن الاتفاق يحافظ على السيادة البريطانية على الإقليم.

وهذه النقطة تحديدا تطرح تساؤلا سياسيا بالنسبة للرباط: إذا استطاعت إسبانيا وبريطانيا الفصل بين التعاون اليومي وبين الخلاف التاريخي حول السيادة على جبل طارق، فلماذا لا يمكن، من حيث المبدأ، فتح حوار مغربي إسباني طويل الأمد حول سبتة ومليلية من دون الإضرار بالتعاون الاستراتيجي بين البلدين؟

وهو في الجوهر ما دعا إليه وهبي عندما تحدث عن آلية للحوار و«النفس الطويل» بدل التصعيد.

أزمة الهجرة تفتح جبهة سياسية داخل إسبانيا

التوتر الدبلوماسي يأتي في وقت ما تزال فيه إسبانيا تعيش تداعيات أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز.

وقال سانشيز أمام البرلمان الإسباني في 3 شتنبر إن حكومته لا تتوفر على أدلة تثبت أن السلطات المغربية «خططت أو نفذت» عملية الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة، مؤكدا أن الحكومة ستتصرف «بكل حزم» إذا ظهرت أدلة صلبة على مسؤولية رسمية مغربية.

ويأتي موقف سانشيز رغم الجدل الذي أثاره تقرير للشرطة الإسبانية حول طبيعة العملية وسلوك بعض العناصر المغربية خلال ساعات الأزمة، وهو ما تحول إلى محور مواجهة سياسية بين الحكومة والمعارضة.

ويصر زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو على تحميل المغرب مسؤولية ما حدث، قائلا أمام سانشيز في البرلمان إن العملية «خرجت من المغرب وسمح بها المغرب»، وإن هناك، حسب تقديره، مؤشرات على تنسيقها، بينما ترفض الحكومة اعتبار ذلك مثبتا بالأدلة المتوفرة لديها.

ولم يقتصر النقد على المعارضة اليمينية، إذ انتقدت قوى من تحالف «سومار» بدورها طريقة إدارة الأزمة، واعتبرت أن استبعاد مسؤولية المغرب بشكل قاطع «غير قابل للتصديق».

سبتة تتحول إلى ساحة احتجاج

في موازاة الأزمة الدبلوماسية، تحولت سبتة إلى نقطة انطلاق لموجة احتجاجات واسعة امتدت إلى عدد من المدن الإسبانية ووصل صداها إلى بروكسل.

ورفع المحتجون مطالب بتعزيز حضور الدولة الإسبانية، وتشديد مراقبة الحدود، وزيادة الإمكانات الأمنية والمادية والإدارية المخصصة للمدينة، إلى جانب معالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتدفقات الهجرة.

كما أخذت الاحتجاجات منحى سياسيا أكثر حدة مع دخول الحزب الشعبي وحزب فوكس بقوة على الخط، وتحول ملف سبتة إلى أداة رئيسية في المواجهة الداخلية مع حكومة بيدرو سانشيز بشأن الهجرة والعلاقة مع المغرب وإدارة الحدود.

وفي المقابل، أثارت الشعارات المعادية للمهاجرين والمسلمين التي ظهرت في جانب من الاحتجاجات مخاوف من انتقال النقاش من الاعتراض على سياسة الهجرة إلى خطاب يستهدف فئات دينية وعرقية بأكملها.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: فتصعيد بعض تيارات اليمين واليمين المتطرف في الدفاع عن «إسبانية سبتة» ساهم، في الوقت نفسه، في إعادة تسليط الضوء على وجود إسباني دائم في مدينتين تقعان في القارة الإفريقية، وهو ما منح الخطاب المغربي حول الإرث الاستعماري حضورا إعلاميا أوسع.

هل أعاد اليمين الإسباني قضية «الوجود الأوروبي في إفريقيا» إلى الواجهة؟

من المفارقات التي كشفت عنها الأزمة أن التصعيد الذي تقوده بعض تيارات اليمين واليمين المتطرف الإسباني للدفاع عن «إسبانية سبتة» أعاد، في الوقت نفسه، تسليط الضوء على حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها: إسبانيا تمارس سيادتها على مدينتين تقعان على الساحل الإفريقي.

ومن هنا عاد سؤال تاريخي إلى الواجهة: هل يتعلق الأمر بمجرد مدينتين إسبانيتين كما تقول مدريد، أم بامتداد لإرث استعماري أوروبي في إفريقيا كما تعتبر الرباط؟

بالنسبة للموقف المغربي، لا يمكن فصل المدينتين عن تاريخ الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال المغرب، ولا عن مطلب استكمال الوحدة الترابية واستعادة السيادة عليهما.

أما في إسبانيا، فالأحزاب الرئيسية، سواء الموجودة في الحكومة أو المعارضة، تتقاطع بدرجات مختلفة حول رفض مناقشة السيادة، وإن كانت تختلف بشدة حول كيفية إدارة العلاقات مع المغرب وسياسات الهجرة والحدود.

ويذهب اليمين المتطرف أبعد من ذلك، إذ يوظف ملف سبتة في خطاب سياسي يقوم على الدفاع الصارم عن الحدود والهوية الإسبانية وانتقاد التعاون مع المغرب، وهو ما أدى في بعض الاحتجاجات إلى ظهور شعارات ذات طابع معاد للمهاجرين والمسلمين.

لكن المفارقة أن هذا الخطاب نفسه وسّع مساحة النقاش حول تاريخ سبتة وموقعها الجغرافي ووضعها السياسي، وجعل سؤال الوجود الإسباني في شمال إفريقيا موضوعا لا يقتصر على النقاش المغربي الإسباني التقليدي.

زيارة فيليبي السادس.. رسالة سياسية إلى الرباط؟

وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المحتملة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية دلالة تتجاوز مجرد زيارة داخلية لعاهل إسبانيا.

فرئيس الحكومة الإسبانية أكد وجود «أسباب وحجج كافية» لتنظيم الزيارة، لكنه لم يعلن تاريخها، مشيرا إلى ضرورة التنسيق مع القصر الملكي.

وبالنسبة لمدريد، يمكن تقديم الزيارة باعتبارها تأكيدا رمزيا لالتزام مؤسسات الدولة تجاه المدينتين ولسيادتها عليهما.

أما من زاوية الرباط، فمن المحتمل أن تقرأ أي زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية في ضوء نزاع السيادة، خاصة إذا جاءت بعد استدعاء السفيرة المغربية على خلفية تصريحات وهبي والتوفيق.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الزيارة ستقود إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة؛ فالعلاقات المغربية الإسبانية تقوم في الوقت نفسه على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والتجارية والتعاون في مجال الهجرة ومكافحة الإرهاب.

وسيكون لافتا متابعة الكيفية التي ستتعامل بها الدبلوماسية المغربية مع أي زيارة من هذا النوع: هل ستصدر احتجاجا دبلوماسيا، أم ستختار إبقاء الخلاف حول السيادة منفصلا عن بقية مجالات التعاون؟

ملف أعمق من أزمة عابرة

تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة سبتة لم تعد مجرد قضية مرتبطة بتدفقات المهاجرين، بل أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين المغرب وإسبانيا.

فالمغرب يتمسك بما يسميه حقوقه التاريخية والجغرافية في سبتة ومليلية، فيما تؤكد إسبانيا سيادتها الكاملة على المدينتين وترفض أي نقاش حول مستقبلهما، بينما يدفع اليمين الإسباني نحو مزيد من التشدد وإبراز البعد الوطني للقضية.

وفي الخلفية، يطرح ملف جبل طارق مقارنة يصعب تجاهلها.

فإسبانيا التي ترفض أن يجعل مرور ثلاثة قرون من الحكم البريطاني مسألة جبل طارق منتهية، وتواصل وصف الإقليم بأنه قضية تصفية استعمار مرتبطة بوحدتها الترابية، ترفض في المقابل إخضاع وجودها التاريخي في شمال إفريقيا لمنطق سياسي مشابه.

إلا أن الاستقلالية الصحفية تفرض التأكيد في الوقت ذاته على أن الوضعيتين ليستا متماثلتين قانونيا؛ فجبل طارق مدرج على قائمة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، بينما سبتة ومليلية غير مدرجتين عليها.

وبين هاتين الحقيقتين يبقى السؤال السياسي والتاريخي مفتوحا:

هل يمكن لدولة أن ترفض التقادم التاريخي عندما يتعلق الأمر بأرض تطالب باستعادتها، ثم تستند إلى التاريخ نفسه عندما تواجه مطالبة دولة أخرى بأراض تقع على حدودها؟

وبين الروايتين المغربية والإسبانية، تبقى سبتة ومليلية في قلب معادلة معقدة تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ، والهجرة بالسيادة، والقانون الدولي بإرث الاستعمار، والسياسة الداخلية الإسبانية بالعلاقات الاستراتيجية مع المغرب.

وهي معادلة تعيد في النهاية طرح سؤال أوسع يتجاوز المغرب وإسبانيا: إلى أي حد انتهى الإرث الاستعماري الأوروبي في إفريقيا فعلا، وإلى أي حد ما تزال بعض حدوده وآثاره السياسية حاضرة إلى اليوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى