لم يعد مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مجرد نص تنظيمي عابر، بل تحوّل إلى مرآة لأسلوب تدبير الإصلاح في قطاع يفترض أنه قلب الديمقراطية وروحها: الصحافة. فحين يمر قانون يؤطر “التنظيم الذاتي” للمهنة بمنطق السرعة وفرض الأمر الواقع، يصبح السؤال الجوهري: هل نحن أمام إصلاح للصحافة أم إعادة هندستها سياسياً؟
التحول الأبرز في هذا الملف، هو انتقال الاعتراض من قاعة البرلمان إلى الواجهة المهنية والنقابية. إذ وجّهت الهيئات الممثلة للقطاع مراسلة رسمية إلى رئيس مجلس المستشارين تطالبه فيها بإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، مستندة إلى ما وصفته بـ“اختلالات جوهرية” شابت المسار والمضمون. والرسالة هنا واضحة: المشكلة ليست في تفاصيل تقنية، بل في منهج تشريعي يُنتج قوانين بلا توافق، ثم يطلب من المعنيين بها أن “يتأقلموا” معها.
الهيئات الموقعة—من النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى فدرالية الناشرين وجامعة الصحافة والإعلام (UMT) ونقابة (CDT) وكونفدرالية ناشري الصحف والإعلام الإلكتروني—تقول إن المصادقة بمجلس المستشارين يوم 24 دجنبر 2025 جرت في سياق ارتباك وغياب توافق، زادته دلالة انسحاب المعارضة احتجاجاً على منهجية تمرير النص. الأخطر أن المشروع، وفق ما تؤكده الرسالة، مرّ دون أي تعديل جوهري مقارنة بصيغة مجلس النواب (22 يوليوز 2025)، رغم ما أثير من ملاحظات داخل المؤسسة التشريعية وخارجها. أي إننا أمام منطق: استمعنا… لكننا لم نغيّر شيئاً.
وهنا بيت القصيد. عندما يتعلق الأمر بالتنظيم الذاتي، يصبح الشرط الأول هو الاستقلالية والتعددية والتوازن في التمثيلية وآليات ديمقراطية شفافة للانتخاب والتدبير. أما حين تُصاغ القواعد بعيداً عن مقاربة تشاركية واسعة، فإن “التنظيم الذاتي” يتحول إلى شعار، وقد يتحول المجلس إلى إطار يُدار بمنطق الوصاية بدل الاستقلال.
الرسالة تُذكّر أيضاً بتحفظات صدرت عن مؤسسات دستورية واستشارية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبانتقادات مركزيات نقابية وهيئات حقوقية ومدنية. هذا التراكم لا يمكن دفنه تحت أغلبية تصويتية؛ لأنه يُحيل إلى أزمة ثقة في الكيفية التي يُصنع بها القانون، لا في القانون وحده.
أمام هذا الوضع، تصبح الإحالة على المحكمة الدستورية ليست “تصعيداً” بل صمام أمان: اختبار لمدى احترام الدستور، ولمدى استحضار الالتزامات الدولية للمغرب في حماية حرية التعبير واستقلالية الصحافة. لأن الصحافة ليست قطاعاً عادياً يُدار بمنطق الغلبة، بل ركن من أركان التوازن الديمقراطي. ومن يعبث بقواعدها، يعبث—بشكل مباشر أو غير مباشر—بشروط بناء الثقة في الدولة والمؤسسات.