ثقافة و فن

الثقافة تحت الابتزاز: كيف أُفشل مهرجان أسترالي بقلم ذ.عبد اللطيف رقيق

   لم يكن من المفترض أن يتحوّل مهرجان ثقافي وفني، مبرمج لنهاية شهر فيفري المقبل في أستراليا، إلى ساحة اشتباك سياسي عالمي. لكن ما جرى كشف، مرة أخرى، هشاشة الخطاب الغربي حول حرية التعبير حين يتقاطع مع فلسطين، وحدود الاستقلال الثقافي حين تتدخّل جماعات الضغط المنظمة.
البداية: دعوة ثم إقصاء
ضمن برنامج المهرجان، وُجّهت دعوة رسمية إلى الكاتبة الأسترالية البارزة من أصل فلسطيني رندا عبد الفتّاح، للمشاركة بمحاضرات وتأثيث نقاشات فكرية. حضورها لم يكن تفصيلاً؛ فهي من أبرز الأصوات الأدبية التي تربط السرد الإنساني بقضايا العدالة، وتُعرّف القارئ الغربي بتجربة الفلسطيني بعيداً عن التنميط الدعائي.
غير أنّ مجموعات ضغط يهودية مارست، بحسب ما تسرّب من كواليس التنظيم، ضغوطاً مباشرة على مجلس إدارة المهرجان، انتهت بشطب اسم عبد الفتّاح من قائمة المشاركين، بذريعة “العداء لإسرائيل” و”حساسية الظرف” عقب حادثة إطلاق النار في شاطئ بوندي. ذريعة بدت لكثيرين أقرب إلى توظيف أمني ــ أخلاقي لإسكات صوت فلسطيني، لا إلى حماية المجال الثقافي.
الانفجار: مقاطعة غير مسبوقة
قرار الإقصاء لم يمرّ بصمت. على العكس، أصاب الإعداد للمهرجان بالشلل والفوضى. أكثر من 180 شخصية ثقافية وفنية وأدبية أعلنت انسحابها الفوري، ووصفت القرار بأنه “عنصري، وقح، مخزٍ، ومعادٍ للفلسطينيين”، وبأنه محاولة سافرة لفرض رقابة على حرية التعبير.
اللافت لم يكن العدد فقط، بل الوزن الرمزي والسياسي للمنسحبين. من بينهم رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، التي اختارت الاصطفاف إلى جانب الكُتّاب ضد منطق الإقصاء. كذلك أعلنت الكاتبة البريطانية الشهيرة زادي سميث، والكاتبة الأسترالية المعروفة هيلين غارنر، انسحابهما، مؤكدتين رفضهما أن تكونا طرفاً في إسكات الأصوات النقدية.
أما الوزير اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، فاختار لغة رمزية مباشرة: مقطع فيديو يمزّق فيه دعوة المهرجان، متهماً صراحةً اللوبي الصهيوني بتدمير الحدث وتحويله إلى أداة قمع.
النهاية المؤقتة: استقالة جماعية
أمام هذا الزلزال، لم يصمد مجلس إدارة المهرجان. اليوم، وقبل أسابيع قليلة من الافتتاح، قدّم جميع أعضائه استقالتهم. حدث نادر في تاريخ التظاهرات الثقافية الكبرى، ويؤشر إلى فشل ذريع في إدارة التعدد والاختلاف، وإلى سوء تقدير لقوة التضامن الثقافي حين يُمسّ جوهر الحرية.
ما وراء الحادثة: إدارة الرأي العام وقمع الصوت الفلسطيني
قضية رندا عبد الفتّاح ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة عالمية. في جامعات أمريكية أُلغيَت محاضرات، وفي عواصم أوروبية سُحبت دعوات، وفي منصات رقمية فُرضت قيود على محتوى ناقد لإسرائيل. في كل مرة، يتكرّر السيناريو نفسه: اتهام جاهز بـ“معاداة السامية”، ضغط مؤسسي، ثم إقصاء أو تجميد.
ما تكشفه هذه الحالات هو دور اللوبي الصهيوني في إدارة الرأي العام الدولي: ليس عبر الإقناع المفتوح، بل عبر تضييق فضاء النقاش، وربط النقد السياسي لإسرائيل بوصم أخلاقي يردع المؤسسات قبل الأفراد. النتيجة هي حرية تعبير مشروطة، تُفتح على مصراعيها حين تتوافق مع السردية السائدة، وتُغلق فور اقترابها من فلسطين.
فلسطين… حين تحميها الثقافة
في قلب هذه المعركة، تقف رندا عبد الفتّاح لا كاسم فردي، بل كرمز لصوت فلسطيني يرفض الصمت. ما حدث أكد أن فلسطين ما زالت تمتلك من يدافع عنها في الفضاء الثقافي العالمي، وأن محاولات إسكات الكلمة قد تنجح مؤقتاً، لكنها غالباً ما ترتدّ على أصحابها.
فشل المنظمين لم يكن تقنياً، بل أخلاقياً وسياسياً. لقد اختاروا الرضوخ للضغط بدل الدفاع عن استقلال الثقافة، فخسروا المهرجان، وفتحوا نقاشاً عالمياً سيبقى طويلاً: هل حرية التعبير قيمة كونية، أم امتياز يُسحب حين يعلّق صاحبه اسم فلسطين على صدره؟
إلى أن ينتهي الاستعمار وتعود فلسطين إلى أهلها، ستظل الكلمة ساحة مقاومة… وستظل محاولات إسكاتها شاهداً على خوفٍ عميق من الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى