وجهة نظر

توظيف الرياضة في السياسة ومتلازمة العريان والخاتم /  الحلقة الثانية. ذ. عبد الواحد حمزة

الحضور الكريم!

هكذا إرتأينا أن نخلق بالمقر نقاشا سياسيا هادئا للتداول في معضلة الرياضة والسياسة، مدى تقاطع وتوتر مكوناتها، باعتبارها قضايا وطنية إجتماعية- نفسية وثقافية، لها وصل بالسياسة العامة لبلدنا، لقاء يحاول تجاوز ضجيج الملاعب ويروم الغوص -بمسؤولية- في مجمل مشاكلنا الحقيقية العميقة، ولإبداء بعض الحلول العملية لها، المرحلية منها والبنيوية.

وذلك خاصة وأن الإشعاع الرياضي لبلدنا يتزامن -للغرابة- مع ما نلاحظه جميعا من موت حقيقي للمعارضة الشعبية الحقيقية، حتى أن الجميع/ المجتمع السياسي أصبح ينتظر الحلول من خارج قواه الدفينة، على هوامش نضاله الحقيقي، لتغيير الموازين، ويفرح -عن بعد- من صعود الإحتجاجات الفؤوية، هنا وهناك، علها تحدث الفرق، ومن صرخات الشباب المبحوحة المتكررة، للخروج من التبعية والإنتظارية، – شأن الأحزاب السياسية يسارا ويمينا- و أملا في الخلاص والتعويض والبديل، فالإعفاء من ولوج الصعوبات و ركوب المخاطر و هدر قوة ونجاعة “العمل السياسي المستقل الصبور والمنظم… “!، بعيدا عن التبخيس والتيئيس (البوحسيني لطيفة، 2026)

هكذا فالرياضة ليست شرا في حد ذاته، ولا يجب أو يمكن التنذر منها، اليوم، “فالعقل السليم في الجسم السليم”، لكنها تصبح مشكلة عندما تصبح بديلا عن الإنشغال و التفكير في قضايا حقيقية، وعندما تستعمل كأداة سياسية للتحكم في المغاربة والسيطرة عليهم وإلهاءهم عن حاجياتهم و مطالبهم المشروعة، عندما تستنزف المالية العامة للدولة، عندما تحول المواطن من فاعل يفكر ويحاسب ويراقب ويساءل ويقاوم ويطالب بالحقوق والأولويات الصحيحة إلى مجرد مستهلك ومتفرج وكتلة إنفعالية خارقة ( أنظر العبدي ع. العزيز 2026 )، و أحيانا كثيرة “مدمرة”، تفتقر إلى الوعي النقدي باللعبة وبقواعدها…

يتم إستنزاف الطاقة البشرية في التفاهة، و”الشوهة/ البوز” عبر الوسائط الإجتماعية( تسفيه رئيس حكومة، فضيحة إبستين/ نموذج صارخ لأخلاق وسلوك حكام العالم ( مذكرا بفضيحة الكوميسيرتابث وفضيحة إسكوبار-الصحراء، وما خفي أعظم!! ،…)، وعبر “تجرجير” الصحفيين “المستقلين ” والمدونين و”اصحاب رأي” في المحاكم، واللهو بهم وبالمتتبعين من الجمهور العريض ، دليل على مسوخ الديموقراطية التمثيلية.

ذلك يتجلى في تشوه البنية المعرفية للجمهور الرياضي، خاصة، وقلب للأولويات، وفقر في مستوى النقاش العمومي والإستنزاف العام للقوة الإنتاجية وتفشي الصراعات البينية وإضعاف المهارات الحرجة- النقدية وسهولة الخضوع والخطابات الجاهزة وتعميمها، والرضى بالقليل- الآني، والتطبيع مع الفشل الحكومي، وما لكل هذا من تداعيات كالإنقسامات الأفقية العنيفة ( لفضا وجسديا الرجاء- البارصا، الوداد- الرجاء،…داخل العائلات…..) (عبد العزيز العبدي، 2026).

إنها أمور تمنع الوحدة الوطنية ضد الظلم، وتمنع التضامن الطبقي والأممي العمودي…، وإفشاء الإقتصاد الريعي-الكروي و تمرير الشرعية ازاء الدولة، وتشوه الخطاب السياسي العام/ (تكويره….!)، فضلا عن الفقر الثقافي، وحتى التعليمي (مراجعات الدروس…)، بل والإستعمار الثقافي الجديد للشركات متعددة الجنسيات- الأمريكية الخاصة ( ميكروسوفت، فايس بوك….) التي تهيمن تكنولوجيا على العالم، و هو الإستعمار الممتد إلينا عبر نماذج الأندية الأوروبية ! والملحوظ أيضا تسطيح خطير لللغة الدارجة ( أنظر تصاريح النجوم و الفرق لدى الصحافة…) و الإضطرابات النفسية المقلقة لدى المتتبعين/ الجمهور الغفل، وهشاشة البنية النفسية المتداعية للشخصية المحلية…إلخ.

(….)حتى أن من يمارس السياسة يجد نفسه مجبرا- على التطاول أحيانا كثيرة- على العمل المدني- الثقافي، ولإعطاء التكوين الأساس والذاتي-خصوصا- أهمية وأسبقية ملزمة خاصة للمناضلين، لتشابك الروابط الوظيفية بين الحقول والتحديات، ولضعف وفقر هاكتيفزم المجتمع المدني، نفسه، وحصر مجال عمله، وهزالة التعليم العمومي وخوصصته، فيحاول -تجاوزا واستقطابا – العمل على خلق مواطن وأنشطة  ثقافية تكوينية موازية تحاول الجذب والترحيب بالشباب، ما إستطاعت، لتثبيت حضور  وإنخراط الملتحقين الجدد والمنتسبين المستدام بالمؤسسة الحزبية…!!

الحضور الكريم!

لا شك ان الرياضة عموما- وكرة القدم خصوصا- لإعتبارات تاريخية محددة ومعروفة- أصبحت قطاعا إقتصاديا- إجتماعيا رأسماليا قائم الذات، بالنظر إلى عدد المتدخلين فيها، المباشرين وغير المباشرين، و حجم الإستثمارات التي تتطلبها، ورهانات الإنفتاح الإقتصادي والدبلوماسي لبلدنا على دول إفريقيا- جنوب الصحراء، والتضامن الإنساني وواجب الإحترام المتبادل(….)، وجاحد -لا ريب- من يتنكر إلى هذه الحقيقة العملية و جدوى هذا الرهان النفعي- الإنساني، وأهمية المصالح في العلاقات الدولية، اليوم، ودائما وأبدا ( أنظر خاصة حجم الإستثمار المغربي في البلدان المستهدفة، و ربح كم من بلد إفريقي غرب- وسط وشرق إفريقيا لصالح قضية المغرب الأولى، وتحت ضغط وتوجيه من القوى العظمى صاحبة المصلحة (إخضاع القوى العظمى للجزائر إلى تفاوض مباشر مع المغرب)، أنظر كذلك مالية النوادي الكبرى، أكاديمية المملكة، ملاعب من مستوى دولي،….)، وحدود المستفيدين منها ونخوبيتها.

هكذا فالمغرب يعتبر من أكبر المستثمرين في إفريقيا، حيث إرتفاع إستثماراته من 100 مليون دولار في 2014 إلى أكثر من 800 مليون دولار في 2021، مما جعله ثاني مستثمر في القارة، في عام 2024، بلغت الإستثمارات المغربية في إفريقيا حوالي 5 مليارات درهم، في مجالات الزراعة والأسمدة/ O.c.p، والبنوك والتأمين/ 15  إلى 45 % من أعمالها في إفريقيا، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، الخ. وفي مشاريع مهمة كمبادرة الأطلس الإفريقي ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وغيرهما، والتي تمثل 20% من إجمالي الإستثمارات المغربية!

 لكن أن ننتظر- كمغاربة- من الكرة والرياضة عموما والإستثمار في إفريقيا جنوب الصحراء أن يَجُرَّا لوحدهما باقي الإقتصاد والمجتمع المغربيين إلى الأمام، فذلك -لعمري- أمر تكذبه الحقائق التاريخية، و كذا التجارب الملموسة للدول التي سبقتنا في تنظيم إستحقاقات اللعبة الكبرى !

أليس من الأولى أن توجه المشاريع المثمرة لبلدنا نحو داخل المغرب لمواجهة البطالة وإنعاش التشغيل المحلي و إطلاق ديناميات الإقتصاد الوطني عموما، فالمغرب يحتل المرتبة العاشرة في إستثمارات القطاع الخاص في إفريقيا، بل ويسعى لتعزيز الإستثمارات في القارة، وهو ما يحول ويوجه مجهوده الإستثماري إلى الخارج.

و في المقابل، يتم الحصول على مساعدات دولية كبيرة لجلب المزيد من المهاجرين- اليد العاملة- الخامة- الضعيفة التكوين،  عمومان قصد الإستقرار في المغرب وليس للعبور إلى أوروبا، ودون أن يظهر أثرها الإيجابي على المواطنين ( إنخفاض نسبة الولادات، طفرة – انتقال ديموغرافي – الآن، أنظر إحصائيات السكن والسكنى  2014)!!؟

 لم يعد أحدا يشكك بالقبول، أو – القبول على مضض- أو التغني بما أنجزه المغرب على أرضه في مجال كرة القدم، ويعتبره بالمقابل حنكة في التدبير والتسيير والأمن، إلا ان يسمح بفتح النقاش ومواكبة موضوع الكاس/ الكؤوس، مثلا، من جميع الزوايا ومن على الإعلام الرسمي وغيره، في حيثيات وعمق الإشكالات المطروحة، وربط بعضها البعض، مغبة في إفساد الفرحة على المتفرجين/ات، وخاصة أن يطرح النقاش والتأمل والتأويل في جانبه السياسي العمومي الكروي، أو ما تحت الكروي-  في الميتا-رياضة! وهي -صراحة- مستويات وزوايا متعددة للتفكير والنقاش والتحليل والنقد!

ثم عجيب أمر أن يصبح مقززا لدى الكثير شغل كل من يهتم بالسياسة في بلدنا، منذ مدة، منذ أن أقفل النظام الهوامش التي فتحها عقب حراك 20 فبراير، مرورا بحراكي الريف وجرادة، و ضعف مردودية الحراكات الفئوية
( التعليم، الصحة، الصحافة، المحاماة…) و هزالة كسب مطالب سكان المغرب المنسي-المعاود لفكرة “المغرب الغير النافع” الاستعمارية- المتجددة البئيسة والموسعة ( زاكورة، آيتبوكماز، سوس، طاطا….)، وأن يطول الإضرار والإخضاع والسطو والعسف واللامبالاة والتنكر المبرح لثالوث مدن تاريخية مغربية أصيلة عظمى : آسفي التي تجر وراءها ألف سنة من التاريخ، والقصر الكبير مجد المغرب/ معركة الزلاقة، وطنجة/ القوة الإقتصادية-الأممية والدبلوماسية.. !! على سبيل المثال لا الحصر !

تلك رموز لمدن مغربية عرفت كيف تحكم نفسها بنفسها، ذات زمان، وهي اليوم تخضع للتبديد والضياع وسطو السلطة المسنود بقوة الطبيعة الهوجاء ( الغرق والتهجير والإبعاد دون تحمل مسؤولية الإسكان والعيش اللائق وفي صمت رسمي رهيب لأبواق الحكم، إلا ما فطنت له الحكومة مؤخرا من إعلان مناطق الفيضانات “منكوبة” وتخصص لها 3 ( ثلاثة) مليار درهم دعما للمتضررين ….!، وهي إلتفاتة لا تقوى على تغطية ما يتطلبه إعادة إعمار محترم لمدينة ذات أهمية تاريخية وواعدة، كالقصر الكبير، في حدود 20 مليار على الأقل…! ).

 أم أن فخر الماضي التليد لهذا الثالوث  يخيف -لهذا الحد- حاضر ومستقبل المتحكمين، مستقبل مدن عريقة وحضارية، قد تستمد من أصالتها وأصالة نخبها قوة الصمود والتباثو الصعودو بعدالنظر،(بناء الديمقراطية المحلية…)، أو أن هناك نية متواطئة مبيتة لطمس عنادها الممتد عبر التاريخ، بإغراق أهلها في المعاناة والمصير المجهول، قصد ترتيب وإعادة بناء مبهم، لا يعير أدنى إهتمام للنقاش الوطني المسؤول ولإشراك السكان في تدبير المصير المشترك ، إعادة بناء صعب ومرير ومستحيل…. على أهلها….!!؟

و أعجب من العوام و”النخب المخملية” من يهتم بفرجة الرياضة لا غير، “الرياضة الرياضوية”، حتى أن هؤلاء/ الآخرين لا يجدون – ولا يريدون أن يجدوا- علاقة بين الموضوعين الإثنين، ومنهم الكثير يقلقون ويغضبون ويهاجمون ويشمئزون ممن يريد أن يبحث فيهما معا، وفي تلك الرابطة البديهية أحيانا، والعلمية المفترضة بينهما، بالذات.

 وللتذكير، ومع أخذ المسافات اللازمة، فإن نهضة أوروبا لم تقم يوما على أساس كروي، وإنما أتت الرياضة لاحقا، بالنسبة إليها، كتتويج وتنويع الإقتصاد ورفاه المواطن في الغرب، وتدعيم لتلك النهضة، بعدئذ، في عملية تفاعلية وصاعدة مستمرة. وحتى لما عرفت إسبانيا أزمتها الإقتصادية، مثلا وظلت منتدياتها الأساس صامدة، فإن ذلك كان إعتمادا أساسا على مديونيات ضخمة، كما أن أمطار عشرة أشهر على إثنا عشر في الغرب لا يغرق البلدان المتحضرة حقا في أزمات الفيضانات المتكررة’، وكذا من جهة اخرى، فللدور بالتالي الحيوي الذي تلعبه الكرة في الإقتصاد من/ و في إلهاء الناس- الجمهور “الممتع” و قصد تجنب طرح الأسئلة الحرجة على الحاكمين!

 أما تجربة دول أمريكا اللاتينية فلم تسفر -صراحة- عن تقدم إقتصادي وإجتماعي ظاهر يذكر، عقب إنخراطها الواسع والباهر في الكرة الساحرة، عدا الهتاف بالنجوم والفرق الرائدة، والمتعة المزيفة و حصد الفقر اللاحق لجماهيرها الشعبية، و تمتيع نخبها المسيرة ولاعبيها – في المقابل- بقصور و “بارك سيارات” /ليموزينات ضخمة و فخمة، توضف في التمويه و الإشهار الرأسمالي الجشع، والتي لا تليق -بالكاد- ببروفايل الكثير ممن صعد منهم من قاع المجتمع المفقر/ الفقير..( وإستثمار كل ذلك في شرعنة الصعود والتسلق الإجتماعي النخبوي السهل والممكن…أنظر إشهارات أوناحي وميزيدور وصورة الزهواني فؤاد  ووالدته و وصلات حاكمي وغيره….) .!  قد يستفيد اللعيبة، أفرادا وعائلات مباشرة، لكن دون ان يكون لذلك أثر على المجتمع برمته وعلى رفاهه ككل، إلا ما حصل من إحسان ورعاية ورش لهذا المعوز أو ذاك، أو لهذا المشروع الخاص أو ذاك.

ذ. عبد الواحد حمزة

-عضو مركز بنسعيدآيت إيدر للأبحاث والدراسات /عضو المجلس الوطني للاشتراكي الموحد رئيس الجمعية المغربية للتنوير/ كاتب عام للحزب

تمارة في 14 نوفمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى