وجهة نظر
حــركة 20 فبــرايـر من المسـاندة و التنـديد الى العصيــان المـدني-محمــد المبــاركي(البــاب الثاني)

بعد المدخل الذي رسمنا فيه الغاية من هذا الطرح و قبل تحديد ما نقصد به بالعصيان المدني ، لا بد من الإشارة الى ما لا نقصده عملا بالمقولة ، بأضضادها تعرف اللأشياء . بداية يلزم التفريق بين العصيان السياسي و العصيان المدني ، و هما و ان تلاقت أهدافهما في كثير من القضايا ، كالعدالة الاجتماعية و المساواة بين الرجل و المرأة على كافة الأصعدة ، و ضمان الحريات الفردية و الجماعية ، الا أنهما يختلفان في أسلوب و طريقة بلوغ هاته الغايات و نوعية الدولة التي ينبغي بناءها.
العصيان السياسي يفرضفيما يفرض في نهاية المطاف ، اللجوء الى العنف المنظم بكل أنماطه كوقاية و مجابهة للعنف المسلط من طرف الحكم القائم . وبهذافان العصيان السياسي يشرعن العنف الثوري كحصانة و دفاعا عن النفس أمام العنف الذي تفرضه السلطة المستبدة بالحكم . فعنف السلطة الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لا يمكن القضاء عليه حين العصيان السياسي العام الا بالعنف الشامل أي الثوري . من هنا نستخلص أن نوع السلطة الذي يطرحه العنف الثوري يظل هو كذلك رهين العنف الذي انطلق منه ، أي سلطة ذات مرجعية اديولوجية ، دينية سماوية كما حصل في ايران مثلا أو عقائدية دهرية كما حصل في الاتحاد السفياتي سابقا أو سلطة نظام حكم الحزب الواحد الفرداني . الخلاصة أننا رغم اختلاف الأساليب و الأهداف فان السلطة التي تقوم على العنف ، رجعيا كان أم ثوريا تتولد عنه لا محالة دولة تعتمد في بقائها و فرض سلطتها على أدواة قمعية ممثلة في البوليس و الجيش أساسا ، ناهيك البيروقراطية الحزبية و هياكل الدولة . في هذه الحالة نجد أنفسنا بعد الخلاص من قبضة شردمة المستبدين بالحكم و المستفيدين من خيرات البلاد عن طريق النفود الذي توفره لهم الدولة القائمة كطغمة خارج و فوق القانون ، تخلفها بيروقراطية الحزب المتنفد بالسلطة لتمارس نفس الاطهاد و نفس الاستغلال لمجموع الشعب بنفس العنف الدولتي.
خلافا للعنف السياسي المنظم باسم الشعب و طبقاته المستضعفة ، نجد نوعا آخرا من العنف الذي يحدث بطريقة عفوية ، اما بشكل عام فوضوي أو حركي منسجم لكن غير منظم أو عن طريق انقلاب عسكري ، و في كل هاته الحالات نجد أنفسنا أمام دولة تعتمد العنف عوض الديمقراطية ، ذلك أن الخلاصة التاريخية لتجاريب الشعوب في هذا المضمار تؤكد أن أي نظام قام على العنف، لا يمكنه البقاء و الاستمرار الا بالعنف . هذا ما حصل في السابق و لا زال هو النهج السائد. النمادج المسطرة أعلاه لا تعني أنه ليس هناك مخرج آخر للتحرير . المخرج الذي نراه ناجعا و مقبولا هو الذي تجسده سيرورة العصيان المدني السلمي .
يختلف العصيان المدني عن الانتفاضة المدنية، التي تعبر عن الرفض العام لذى الجماهير للحكم القائم و ان تبنت هي أيضا نوع من العنف لحماية نفسها و للاطاحة بالنظام القائم ، الا أنها في غياب الركيزة الرافعة لمطالبها و الموحدة لصفها تضيع من قبضتها في نهاية المطاف عملية التغير لصالح قوى سياسية ذات عقيدة سماوية أو دهرية و التي هي أيضا كانت رافضة للنظام القائم و في صراع معه لا يستثني العنف . هذا ما حصل في تونس و مصر و اليمن. حيث تم تركيز عملية التغيير في شخص الدكاتور كرمز للسلطة القائمة و ليس في طرح بديل للنظام القائم و التعبأة له . و منه نستنتج أن الحراك الشعبي العفوي و العام يمكنه أن يصب في طاحونة قوى سياسية معادية في العمق لروح الحراك الشعبي الدي أطاح برموز النظام المستبد .
مما سبق يمكننا تحديد ما نقصده بالعصيان المدني السلمي ، و الذي هو تحقيق التغيير الشامل لشكل الدولة القائمة في غياب أي لجوء الى العنف . كيف يمكنلذلك أن يحصل و السلطة القائمة عمادها العنف بكل أنماطه الاجتماعية والاقتصادية و السياسية ؟ هذا ما سنحاول ، قدر المستطاع ، الاجابة عنه عبر الأبواب اللاحقة ، علما أن كل منظور جديد لعملية التغير المنشود يجد رفضا و شدود من قبل المنظورات الأحادية الجانب . و نحن نعلم أننا لا نملك كل الأدواة المعرفية و المادية في الآونة الراهنة ، غير أننا مقتنعون بوضوح المنهجية التي تؤصل لمنظورنا ، و تجعل من طرحنا هذا عملية فكرية قابلة التطبيق .
أ– المـرجعيــة
بما أننا ننطلق من الواقع المعاش و التاريخي لبلدنا المغرب ، و بما أننا نريد معايشة الحراك الشعبي الحاصل و جعله يكب في المجرى التحرري الذي من أجله قام . البحث في الحراك الشعبي الحاصل بالمغرب ، يفرض أول ما يفرض فحص ما حصل في تجاريب المجتمات الأخرى و الاستفادة منها و عدم الانغلاق على الذات الذي هو احدى العاهات المرضية التي يلزم الانفلات منها . هكذا سنجد أنفسنا أمام مراجعة الفكر البرودوني و كمونة باريز التي تبنت في زمانها 1870 المساواة التامة بين الرجل و المرأة و حرية الاعتقاد و العدالة الاجتماعية و رفض الاعدام و تعميم التضامن باقتسام الخيرات الجماعية على عموم المواطنين بالقسطاس، كل حسب عمله و كل حسب حاجياته و جعل الانتاج تعاونيا . ألأمر الذي يذكرنا بما كانت عليه الأعراف التضامنية للجماعات الشعبية عندنا و التي حطمها نمط الانتاج الكولنيالي ، كأبشع ظاهرة استغلالية لنمط الانتاج الراسمالي المتوحش . و كدلك سيكون لنا رجوع لطرح المنتفض هانري تورو ضد الحرب الأمركية المكسيكية 1948 ، حيث بين لماذا سيقدم الضرائب و يخدم دولة تقوم بحروب ظالمة ضد أمة أخرى ؟ كما ينبغي مراجعة الغندية بالهند في مواجهة الاستعمار البرطاني بطريقة سلمية . كما أن هناك تجاريب حديثة و قديمة مثل التجربة القرمطية و ثورة الزنج و التجربة السبارطية في القرن الثاني قبل الميلاد ضد الحكم الروماني ، كلها تجارب تساعد فهم الحراك الذي تقوم به حركة 20 فبراير لأنها عمليا اختارت مجرى نوعي في تاريخ الشعب و الأمم. دون هذا الوعي لذى الفاعلين فيها بالدور المنوط بهم سيتم اختزالها في حركة سياسية عادية ، استافدت من مناخ حركي عام في المنطقة المغاربية و العربية ، لكنا لم ترتقي للمستوى التاريخي الذي سيضمن لها الاستمرارية و الفعالية .
ب – حركــة 20 فبــراير و العصيان المــدني
قد يمكن للعصان المدني أن يكون جزئيا كما حصل في أمريكا خلال ستينيات القرن الفائت، حيث طالبت الأقلية الأفرو- أمريكية المساواة في الحقوق الاجتماعية و كذا الانتفاضات السلمية للحركة النسوية باوروبا بعد الثورة الاجتماعية لعام 1968 و أيضا الحراك السلمي الثقافي الذي قامت به الأقليات للتعريف و المطالبة بالاعتراف بثقافتهم كمكون أساسي للثقافة العامة كما حصل بالنسبة للوالون في بلجيكا أو الكرس بفرنسا و الكاطلون باسبانيا و الأمثلة عدة . لكن العملية التي أماننا بالنسبة لحركة 20 فبراير، كونها تريد القيام بتغيير شامل على كافة المستويات السياسية منها و الاجتماعية الاقتصادية و الثقافية ، أي أنها تهدف تغيير الدستور كأساس تقوم عليه الدولة و هياكلها الى جانب المطالب الأخرى التى ترمز، لما ينبغي في العمق أن تسير عليه دواليب الدولة الديمقراطية الحداثية . بلغة أخرى ان حركة 20 فبراير تريد ثورة جدرية ، الا أنها تريدها بشكل سلمي ، الأمر الذي يقلي بكل عقاريب التفكير و الممارسة السياسية السابقة جانبا و التحلى بمنظور و أسلوب جديد للنضال . هذا المنحى يطرح المسألة الجوهرية ، كيف يمكن تسليح المواطنين بالوعي الضروري الذي بوسعه أن يحصنهم للاستمرار في المطالبة بالدولة الجديدة. أي دستور جديد يضعه مجلس تأسيس مستقل ‘ن أي سلطة أو فئة اجتماعية وكل هذا في خضمّ المقاومة الشعبية و من دون اعتماد أيّ شكل من أشكال العنف كوسيلة لمواجهة عنف السلطة المخزنية المتنفدة ؟
الواضح أننا أمام معضلة حاسمة يلزم فك مكنزماتها لحل المعادلة السياسية العظمي ، المطروحة و المشخصة في القيام بثورة سلمية عن طريق العصيان المدني . كيف يمكن تحصين العصان المدني السلمي لحد جعل آليات السلطة المخزية تتهاوى كأوراق التوت أمام مطالب الشعب الصامد ؟ هذا يطرح نوع الرافعة أو أداة مشروع التغيير العام ، علما :
أولا -ينبغي الاقتناع بأن الحراك وحده لا يكفي و لا يمكنه الصمود أمام العامل الزمني لأن الوقت لا يرحم ،و الذي هو ذو حدين ، اما المباغتة و تحقيق المرام و امّا تغيير خطة الهجوم لمّا يستعيد الخصم اماكنية التحكم في الوضع و الغلبة ، كما هو معروف ، الفوزلمن استطاع ربح الوقت عبر تحصين ذاته .
تانيا –السلطة القائمة من طبعها استعمال العنف بكل أشكاله لضمان استمراريتها و ضمان مصالحا . و الوضعية كما تتضح معالمها أن القبضة القمعية في حالة التصعيد الشامل كما حصل في مدينة تازة و ما يحصل راهنا بآيت بوعياش ، حيث أمام المطالب المشروعة و البسيطة للمواطنين تعمد السلطة الي القمع الممنهج العام ، ليس فقط اتجاه المتظاهرين ، بل اتجاه عموم الساكنة بمداهة البيوت و الأماكن التجارجية و زرع الدعر بين المواطنين أطفال ، نساء، شباب و شيوخ .
ثالتا – الوضعية الجديدة تفرض تطوير أشكال المجابهة و ذلك على كل المستويات :
– المستوى السياسي ببناء رافعة تتشكل من كل القوى الحية داخل المجتمع المدني، سياسية ، نقابية و جمعوية ، و هذا عبر مؤتمر الشعب العام ينتج عنه مجلس عام يوجه الصمود و وضع الخطوط العامة لضمان استمرارية العصيان المدني ،
–المستوى الاجتماعي بتطوير شبكات التعاون و التعاضض بين المواطنين
– علي المستوى الاقتصادي بخلق تعاونيات متنوعة و في كل المجالات ،
– المستوى الثقابي بتطوير كل أشكال التعبيرو الابداع الثقافي الفني ،
-
– تطوير الاعلام و ربط اتصال مباشر و دائم مع الصحفين.



