وجهة نظر

على هامش ندوة الحرب الأوكرانية- الروسية وتداعياتها على المنطقة الشرق-أوسطية والمغرب. (الحلقة الثالثة) ذ. عبد الواحد حمزة

  • بعض ملامح توتر الوضع الدولي الراهن: الولايات المتحدة الأمريكية، الروس فنزويلا وإيران

(….) يبدو أن الصراع العالمي في معظمه اليوم صراع لقوتين “إمبرياليتين”، في نظري، القديمة بوجه متوحش، الولايات الأمريكية والأخيرة بوجه “إنساني”، الصين والروس، في زمان تعالت فيه إستقلالات بلدان الجنوب، عند الستينات، و لتنمية تخلف بعضها الآخر قهرا ( أنظر أعمال غاندر فرانك، سمير أمين،….)، فكان الحلم أمكانية إرساء نظام عالمي مبني على إحترام إرادة الشعوب.

هكذا  فرضت جزء من برنامجه الطويل الدول الصاعدة والبازغة/ النمور، بحضور قوي للدولة والقطاع العام لتصدير القطاع الخاص مكانة متقدمة، حتى أن الفقيد المؤذن/1991 شغل كتاباته آخر حياته بإحتمال كبير أن تتمخض حرب الخليج الأولى اللافتة عن تحرر النظام العالمي من الظاهرة الإمبريالية…( أنظر مقالات الأستاذ عبد السلام المؤذن، إعداد وتذييل د. ع. الصمد بلكبير، منشورات الملتقى/ 2025 المغرب).

وها هي اليوم وبعد كل الحروب والنزاعات التي شعلتها هذه الأخيرة عبر العالم، لما يزيد عن قرن من الزمن، في الخليج بالذات، مادامت في حاجة إلى موارد مالية ونفطية وغازية، لا ينسجم معها- بالكاد- إلا خنوع الانظمة السلطانية الإستبدادية في المنطقة، “عبيد الحقول” لا القصور الوهمية التي ينعمون فيها وبها،  الموضوعة على المقاس.

هو الامر عامة ما إعتملوبعتمل في أوكرانيا وأمريكا الجنوبية، لمفاوضة أو لمحاصرة الروس، وشمال أوروبا المهمشة، اليوم، وهي التي كانت -دوما- تحت غطاء الولايات المتحدة الأمريكية منذ مخطط مارشال، بإرادة السطو كذلك على جرينلاند، للتوسع الجغرافي النسبي، ولاسترداد هبات البارحة لأوروبا ومساعدات الناتو، إعتبرتها -هكذا- ديون، كمخرج “كلبي” لأزمتها المالية اليوم، و كذا التنمر على كندا، وألحاق مخز وسافر للهوامش التابعة التي إختارت اصطحاب ” القوي” / أمريكا وإسرائيل، ذلا وضعفا وطمعا في الحماية/ الصحراء الغربية وإعادة إنتاج النظام السياسي القائم و القبول ب”التنمية المحسوبة والمحروسة المنتقاة”، ….وهي أمور لن تدفع قطعا إلا إلى حتف هذه الأخيرة، أو على الأقل إلى تراجعها في الامد المنظور….

وهو كما يمكن ان يلحظ المرء “كر وفر” وقليل ما يسعف معه الصراع الناعم، و لا يوازيه إلا نعومة الصعود التينيني/ الصيني القوي والهادئ، من جهة و هدير الروس و توازن الرعب للمحور الإيراني- “التركي”.

و إذا كان هذان البلدان يحترمان نسبيا بل ويخيفان، إنطلاقا من وزنهما الاقتصادي والعسكري، فيبدو ان مصر تخيف بمايزيد عن الماءة مليون نسمة في جعبتها، و هو ما جعلهم جميعا محط تنمر الكيان الصهيوني في القادم من تدبير إستراتيجية توسعه الكبير- المزعوم من النيل إلى الفرات..!

 وعليه فإن تصور المؤذن/ تسعينات القرن الماضي- آنذاك- يبقى ذو راهنية إلى حد كبير، في أن الحلقة المركزية في الصراع العالمي المفتوح ستكون إعادة النظر في قسمة العمل الإمبريالية/ 1990 ، وما نراه اليوم من تمدد الإمبريالية الناعمةبزعامةالصين..والبريكس عموما، وحيث أن هذه الأخيرة تعتبر نفسها قوى  من قوات العالم الثالث، لاغير ( أنظر مأوية الحزب الشيوعي الصيني.. ) لن تعمل إلا على ترسيخ دور الجنوب الجديد في تثمين المواد الأولية وقوى العمل في الأحد المنظور وتسليع المواد المصنعة أو نصف- المصنعة بأثمنة مناسبة ( انظر ثمن واكتساح السيارات الصينية اليوم….وأزمةفولزفاكن، مثلا…).

يبدو و أن الجغرافية السياسية العالمية -اليوم- ترسم حدودا للقوى، تتراجع فيها الإمبريالية التقليدية ولا ترى جدوى من التمدد- كما أصبح مطلوبا ذلك اليوم- وكأن بها من الأفضل لها التوقف عند المرحلة التاريخية الأولى من تطورها، وهي المرحلة التنموية الطبيعية، وإن على مضض…وتحت إكراه وتوريط وتبادل المصلحة في غصب الأرض و تعظيم الربح مع وكيلتها الصهيونية العالمية وإسرائيل.

 وهو ما كان اليسار الأمريكي يتبناه في إبانه وتستسيغه قوى السلام والتقدم -اليوم- في العالم أجمع…وهو طريق متعثر وطويل ومحجوز و يتطلب الكثير من الصبر والحزم والقوة والموازين، أذ ينطلق من مبدأ النضال والمقاومة والصراع، من أجل إقرار علاقات دولية متوازنة، تعتمد القوة -حقا- لا الهمجية، المبنية على العنف ودمار الحياة، مما يسمح بنمو دول ديموقراطية مبنية على إرادة الشعوب لا على توازنات الرعب والخوف والإستبداد والفساد….

…هو حقا مجلس لإذعان الشعوب الحرة، للدفع بإستسلام الأمم الضعيفة…وهو صراحة موجه اليوم لتعنيف محور الممانعة وعلى رأسه قوى المقاومة/ حماس في فلسطين/غزة…وقد يصدق على المغرب إختيار مصادقة الولايات و إسرائيل ما جناه زلنسكي/ الأوكران من صحبة ترامب- مول الياجور  والفضائح – الجشع في وجه الروس، دون جدوى…ليس بمقدور بلدنا معاداة الولايات صراحة اليوم، لأنه إختار الخنوع والتبعية و الأمد القريب …ونسي أنه قد يأتي المقاول نفسه على الأخضر واليابس في كل وقت، يعني ينال كذبه طمعنا في صحراءنا الغربية المغربية….إذا إقتضت المصلحة، مصلحته هو، ذلك. يتضح شيء من ذلك في تلكؤه الإشادة بمغربية الصحراء. وكلنا يعرف أن لا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين في السياسة.. !!!

الاختيار السيادي السديد يمر من هنا: تقوية الجبهة الداخلية/ الديموقراطية، فصل السلط، لا التبعيات و الولاءات السلبية، ومتى تحقق هذا الخيار بالضبط، يمكن التفكير والقرار في مدرسة عسكرية وطنية،….تحفظ كرامة المغاربة ومقدراتهم، من بين أخريات…وتعيد مجد مدرسة أهرموموالمغدورة .

لعلها الطريق التي قد تجعلنا لا نستجدي القوى المتقدمة في شؤون إستراتيحية جد حساسة: الدفاع الوطني، فكم من الأنظمة العسكرية والسياسية مخترقة بأنظمة مخابراتية لا تسمح بالإطلاع على شفرات ومفاتيح التكنولوجيا العسكرية، بالذات، إذ هي من أسرار براءات إختراع الشركات و المنتجين المتحكمين في العلوم الدقيقة و صناعة الحرب والدمار..، بل و يصبح حينذاك من الممكن أن نعادي الظلمة عند الإقتضاء  ولا نخاف الابتزاز والعدوان أبدا..!!

ذ. عبدالواحد حمزة، سوسيو-قتصادي

عضو مكتب مركز محمد بنسعيدآيتإيدر للأبحاث والدراسات/ كاتب فرع الإشتراكي الموحد، تمارة28 نوفمبر 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى