ثقافة و فن

قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن)

أحمد رباص ـ تنوير
في صدارة الصفحة (293) من كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو، تطالعنا قولة لعبد الرحيم بوعبيد جاء فيها: “أن يكون مندسا بيننا أشخاص ذوو تكوين ثقافي وسياسي ينقلون إلى الجهات التي يشتغلون لصالحها، المعلومات والأحداث على حقيقتها، أفضل أن يكون معنا مخبرون يفضلون تقديم عروضهم على هواهم بالزيادة والنقصان”.
إن الوقوف لحظة تأمل أمام هذا النص قد يؤدي بنا إلى ضبط ثلاث هنات طفيفات، وهذا لا يعني أن لا بأس من غض الطرف عنها، بل وجب تقويمها في كل الأحوال. الداعي إلى هذا التقديم، أو هذا التعليق، هو أن القولة البوعبيدية جعلت خبر “كان” المقدم في صيغة المفرد (مندسا)، واسمها المؤخر في صيغة الجمع (أشخاص)، ما يدل بوضوح على كسر التطابق بين اسم وخبر كان من حيث العدد. كما أرى أن تلك الفاصلة الموضوعة بعد “لصالحها” ليست ضرورية. ورب معارض يدفع بأن الكاتب في حل من أخطاء في نص لم يكتبه، فأرد عليه بأن من مهام الكاتب تحضير كتابات تتوفر فيها مواصفات الجودة.
في هذا الحيز المكون من صفحتين مختلفتين من حيث الحجم، تناول الكاتب موضوعاً حساساً ومعقداً يتعلق بوجود مخبرين داخل حزب سياسي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، وتأثير ذلك على قيادة الحزب وعلاقته بالقصر (السلطة العليا في الدولة). كما أشار إلى توترات داخلية وخارجية حول مواقف الحزب، خاصة في سياق قضية الصحراء، وتأثير ذلك على مصير بعض القادة السياسيين.
عبد الرحيم بوعبيد يرى أن وجود مخبرين “مندسين” ذوي تكوين ثقافي وسياسي ينقلون المعلومات بدقة أفضل من وجود مخبرين يقدمون معلومات مغلوطة أو مبالغ فيها.
الأستاذ أحمد الحليمي يؤكد أن الحزب يضم تيارات وأشخاصاً من خلفيات مختلفة، وبعضهم مرتبط بالإدارة (المخزن) حتى على مستوى القمة، مما يعني وجود تأثير مباشر أو غير مباشر للسلطة على الحزب.
هناك تحذير من القصر لعبد الرحيم، لكنه ربما لم يأخذ هذا التحذير بجدية كافية؛ لأسباب كاعتقاد عبد الرحيم بوعبيد أن انخراط الحزب في قضية الصحراء وتنازله عن شروط الدخول في المسلسل الانتخابي سيكسبه حماية، أو أن كلمة “Merde” التي تفوه بها عمر ربما اعتبرها القائد تجاوزاً للخطوط الحمراء، خاصة في احترام الشيخ أمام أنصاره، أو أن القائد رأى في عبد الرحيم منافساً جديداً للزعامة، فقرر تجاهله أو إبعاده بطريقة غير مباشرة.
الأستاذ لحبابي رحمه الله تحدث عن الاجتماع وما دار فيه في ذكرياته المنشورة في جريدة «المساء». أما محمد اليازغي فلم يتناول الحادث، ربما لأنه يثير لديه أزمة ضمير أو يسبب له إزعاجاً نفسياً.
وبقيت أسئلة كثيرة ومعلقة ومفتوحة، مثل هل كان تحذير القصر لعبد الرحيم بوعبيد جاداً وخطيراً، أم مجرد إنذار شكلي؟ هل كان عبد الرحيم بوعبيد واثقا فعلاً من أن انخراط الحزب في قضية الصحراء سيحميه من أي إجراءات؟ ما هو تأثير كلمة “Merde” على العلاقة بين عمر والقائد؟ وهل كانت فعلاً نقطة تحول؟ هل وجود مخبرين في الحزب كان له تأثير كبير على قرارات الحزب ومساره السياسي؟ لماذا لم يتناول محمد اليازغي الحادث؟ هل هو خوف، ضمير، أو موقف سياسي؟ كيف يمكن تفسير التداخل بين التيارات المختلفة داخل الحزب وتأثير الإدارة (المخزن) على قراراته؟
تعكس هاتين الفقرتين واقعاً سياسياً معقداً تتداخل فيه المصالح، الولاءات، والتحذيرات بين قوى داخل الحزب وخارجه. وليس من نافلة القول التأكيد على أن هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسة معمقة في سياق التاريخ السياسي للحزب، علاقاته مع السلطة، والأحداث التي جرت في تلك الفترة.
في الصفحة الموالية، تحدث الأخ عبد الجليل عن شخصية الشهيد عمر بنجلون، الذي كان عضوا بارزا في الحزب، تم اغتياله بطريقة مأساوية أمام بيته. يصف الكاتب كيف أن اغتياله كان نتيجة خوف النظام من تأثيره الكبير ومواقفه الثابتة تجاه قضايا شعبه ومجتمعه، حيث كان عمر شخصية صلبة وجريئة لا تساوم على مبادئها.
وركز الكاتب على أن عمر كان مثقفًا ملتزمًا بقضايا شعبه، وواقعيًا ثوريًا يسعى إلى لبناء الاشتراكي دون التخلي عن الجماهير والطبقة العاملة التي كان يحظى لديها بمكانة خاصة. كما أشار باحدو إلى أن أخطاء الحزب التي كان عمر يعترف بها ليست انتهازية بل أخطاء جهادية يُعتز بها، تعبر عن نضال صادق.
في هذا السياق، ذكر الكاتب بشهادة الأستاذ إبراهيم بوطالب عن عمر، التي أكد فيها على استقامته وعلاقته الخاصة به، معتبراً إياه زعيمه وقائده داخل الحزب. وذهب إلى أبعد من ذلك حين صرح بأن عمر كان من أفضل المناضلين الشرفاء الذين عرفتهم الساحة السياسية خلال نصف قرن.
في الصفحة الموالية (295) تناول الكاتب الصراع الفكري والسياسي داخل الحركة الاتحادية بعد اغتيال عمر بنجلون، حيث انتقد التيار الذي قاده محمد الوفا وفتح الله ولعلو لمحاولته استغلال الاغتيال لتبرير تراجع سائر أعضائه عن النضال الديمقراطي والارتماء في حضن النظام الحاكم. وأكد الأخ باحدو أن غالبية الاتحاديين ظلوا متمسكين بخيار النضال الديمقراطي ورفضوا التوجهات الانتهازية والعنف المسلح، كما أشار إلى تعويض عمر بنجلون بالحبيب الفرقاني، المناضل الذي يجمع بين الالتزام الديني والهوية الإسلامية والاشتراكية.
خصص الكاتب الصفحة (296) للحديث بتأثر باد على لهجته عما بعد اغتيال عمر، رمز النضال والقيم الحقيقية في مواجهة دسائس ونفاق المتعلقين بالسلطة. وهنا أشار المؤلف إلى أن عمر بنجلون قد ارتاح بعد أن ترك المناصب والزعامات الكاذبة التي كانت تزعجه بسبب تصرفات لم يكن يستسيغها، وأن غيابه لم يضر به بل جاء ليمنحه راحة من تلك الضغوط.
كما أبرز سي باحدو أن اليمين الحزبي ارتاح من مواقفه المعارضة، وأن الحزب الذي ورثه لم يرث قيم الحق والتضحية التي كان يمثلها عمر، بل أصبح يلهث وراء المناصب والمنافع، مما أدى إلى تراجع الوفاء والصدق والإيمان بالقيم الرفيعة.
في هذا الإطار، ذكر الأخ عبد الجليل بندوة أقيمت في 18 ديسمبر 2025، أشار فيها الأستاذ محمد الأشعري، بعد مرور خمسين سنة على اغتيال عمر بنجلون، إلى أن اغتيال المهدي بنبركة كان أول اغتيال سياسي وضع المغرب في خانة الدول التي تعاني من التطرف والتصفية الجسدية. وطرح الكاتب تساؤلات حول المسؤولين الحقيقيين عن اغتيال عمر بنجلون، وهل كانت المسؤولية محصورة في المتطرفين الدينيين فقط، مع الإقرار بأن الحقيقة الكاملة وراء الجريمة لم تُعرف بعد.
هذا وقد أبرز أيضًا قدرة الأستاذ الأشعري الأدبية على توظيف اللغة والشعر والرواية في سردية تحليلية تتجاوز التاريخ الظاهر، محاولًا فهم السمات البارزة لفكر عمر بنجلون وممارسته السياسية.
وصولا إلى الصفحة (297)، نجد الكاتب قد ناقش موضوع سياسة التوافق في سياق النضال السياسي المغربي، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على مقومات الهوية الوطنية وعدم تحويل التوافق إلى مجرد تدجين أو تبعية. وأكد الأخ باحدو على أن الوطن يجب أن يكون فوق كل حسابات الربح والخسارة، حتى وإن استفاد الخصوم من التحرير، لأن الأهم هو تحقيق التحرير الحقيقي في الأرض والإنسان.
كما تناول المؤلف كذلك الحيرة والتساؤلات التي ما زالت قائمة بعد 50 سنة من اغتيال الشهيد عمر بنجلون، حول مدى جدوى الانخراط في نظام سياسي يعد بنزاهة الانتخابات لكنه لم يحققها حتى الآن، وهو مطلب أساسي لبناء ديمقراطية حقيقية.
وأثار الكاتب الانتباه إلى أن قبول المشاركة في الانتخابات المزورة عام 1997، والتي كانت مدخلاً للمشاركة في حكومة التناوب وحكومة جطو، لا يجب أن يُنظر إليه كتحريف للحقائق، بل كجزء من تاريخ العلاقة مع النظام ومحاولة لتجريب النوايا، مع الإشارة إلى فكر عمر بنجلون الذي ربط بين الكونية والخصوصية، وجعل من الحزب استمراراً لحركة التحرير الشعبية.
في الأخير، دعا الأستاذ عبد الجليل إلى ترك ذكرى عمر بنجلون بسلام وعدم توظيفها لأي مساومة سياسية، لأن حزبه لم يعد بحاجة إلى ذلك، وينتظر وضوح الرؤية السياسية وزوال الضباب السياسي.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى