التدفق الهوياتي في السياق المغربي: بين مفارقة سفينة ثيسيوس ورمزية سفينة نوح
(قراءة في تحولات الهوية الجدلية والسرديات بالمغرب)

مصطفى المنوزي
تُعدّ مفارقة «سفينة ثيسيوس» من أبرز الاستعارات الفلسفية التي تسمح بفهم إشكالية الهوية والاستمرارية في ظل التحول. وتقوم هذه المفارقة على قصة السفينة التي ظل الأثينيون يحتفظون بها تكريمًا للبطل ثيسيوس، غير أن الزمن كان يفرض استبدال ألواحها الخشبية جزءً بعد جزء،إلى أن لم يبق فيها أي عنصر أصلي . ومن هنا ظهر السؤال المركزي: هل تظل السفينة هي نفسها رغم تغيّر جميع مكوناتها؟ ثم يزداد الإشكال تعقيدًا إذا جُمعت الأجزاء القديمة وأُعيد تركيبها في سفينة ثانية: أي السفينتين تمثل الأصل الحقيقي؟
لم يبق هذا السؤال حبيس التأمل الفلسفي المجرد، بل تحول إلى مدخل لفهم استمرارية الإنسان والدولة والذاكرة والمؤسسات والسرديات الجماعية. فالهويات الفردية والجماعية لا تعيش خارج الزمن، بل تتشكل عبر التحولات والتراكمات والتقاطعات، بما يجعل الاستمرارية نفسها موضوع تفاوض دائم بين الأصل والتجدد، وبين الذاكرة والتحول، وبين المادة والمعنى.
وفي السياق المغربي، تكتسب هذه المفارقة دلالة خاصة بالنظر إلى الطبيعة المركبة للتشكيلات الثقافية والتعبيرات السياسية التي صاغت الشخصية التاريخية للمغرب. فالمغرب لم يتأسس على نقاء هوياتي مغلق، بل على سيرورة طويلة من التفاعل بين روافد متعددة: أمازيغية وعربية وإفريقية وأندلسية وصحراوية ومتوسطية وعبرية، داخل فضاء ظل يعيد إنتاج وحدته عبر التفاوض المستمر بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع، وبين الديني والسياسي والثقافي. لذلك لم تكن الهوية المغربية ثابتًا جامدًا، بل بنية تاريخية متحركة استطاعت أن تستوعب التحولات دون أن تفقد كليةً شعورها بالاستمرارية.
غير أن التحولات المعاصرة تطرح اليوم أسئلة جديدة حول معنى هذه الاستمرارية نفسها ؛ فمع تصاعد الذكاء الترابي، وتنامي التعبيرات الجهوية والثقافية، وتدفق الرأسماليات اللامادية المنتجة للصور والانتباه والسرديات، لم تعد الدولة وحدها تحتكر إنتاج المعنى الجماعي أو الرواية الوطنية ؛ لقد أصبحت المنصات الرقمية، والفاعليات الثقافية، والشبكات العابرة للمجال، وتعايش الذاكرات المحلية، تساهم بدورها في إعادة تشكيل الإدراك العمومي والوعي الجماعي، بما يفتح المجال أمام تنازع سرديات متعددة: أمنية، وتاريخية، ودينية، وحقوقية، وتنموية.
وفي خضم هذه التحولات، يظهر خطر تضخم «الأنا الهوياتي» باعتباره محاولة دفاعية لإنتاج يقين رمزي في زمن السيولة واللايقين. فكلما تراجعت القدرة على بناء معنى جماعي متوازن، ارتفعت نزعات الانغلاق والتماهي المطلق مع الأصل أو اللغة أو الذاكرة أو المرجعية، بما يحول الهوية من فضاء للتعدد والتفاعل إلى أداة للاستقطاب والإقصاء. وهنا يصبح الخطاب الوحدوي، إذا ظل مجرد تكرار إنشائي لشعارات الوحدة، عاجزًا عن معالجة التوترات العميقة التي تنتجها التحولات الاجتماعية والثقافية والرمزية.
ذلك أن المجتمعات المركبة لا تُدار عبر إنكار التعدد، بل عبر بناء تعاقدات حية تسمح بتحويل الاختلاف إلى عنصر غنى لا إلى مصدر تهديد. ومن ثم، فإن التحدي المطروح أمام المغرب لا يتمثل في مقاومة التحول أو تجميد الروافد، بل في القدرة على إنتاج توازن جديد بين الاستمرارية والتجدد، وبين وحدة الدولة وتعدد التعبيرات، وبين الذاكرة المشتركة وحق الفاعلين المختلفين في المساهمة في إعادة تأويلها ؛ وفي هذا الأفق، تتحول مفارقة سفينة ثيسيوس إلى سؤال مغربي بامتياز: كيف يمكن الحفاظ على استمرارية السفينة الجماعية بينما تتغير ألواحها السياسية والثقافية والرمزية باستمرار؟ ومتى يصبح التغيير إصلاحًا يعيد إنتاج المعنى المشترك، ومتى يتحول إلى قطيعة تُبقي على الاسم بينما تُفرغ الكيان من روحه ووظيفته التاريخية؟ هنا بالذات يبرز دور التفكير النقدي التوقعي، ليس بوصفه أداة للتشخيص فقط، بل باعتباره ممارسة تسعى إلى عقلنة التحولات، وتحرير المعنى، وبناء أفق تشاركي قادر على تحويل التعدد إلى قوة تاريخية بدل أن يتحول إلى مجال للتنازع والانقسام ، وكل ذلك بعيدا عن أي أسطرة للهويات الصلبة التي تزعم النقاء والطهرانية والشرف العذري الخالد ؛ لأن الخطر ، في آخر التحليل ، لا يكمن في البحث عن الجذور، بل في تحويلها إلى “مقدسات جامدة” تمنع المجتمع من إعادة تأويل ذاته. فالهويات الحية تشبه ما أشار إليه بول ريكور في مفهوم “الهوية السردية”: نحن لا نعيش داخل أصل ثابت، بل داخل قصة مستمرة يعاد سردها وتأويلها عبر الزمن الإجتماعي الجدلي .




