تنوير- متابعة
فقدت الساحة الحقوقية والسياسية المغربية المحامي عبد العزيز بناني، عضو هيئة المحامين بالدار البيضاء، الذي رحل عن سن ناهز 87 سنة، بعد مسار طويل امتد لأزيد من ستة عقود، ارتبط بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، ومواكبة عدد من أكثر المراحل حساسية في التاريخ السياسي والحقوقي للمغرب.
وُلد بناني سنة 1939، وبدأ انخراطه في العمل العام منذ سنوات الدراسة بكلية الحقوق بالرباط، حيث كان ناشطاً في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب “أوطم”، وتولى مسؤولية كاتب فرع المنظمة الطلابية بالرباط، قبل انتخابه عضواً في لجنتها التنفيذية لعدة ولايات بين سنتي 1959 و1964.
وانتقل نشاطه لاحقاً إلى المجال السياسي، حيث انخرط في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وظل حاضراً في عدد من محطات النضال الديمقراطي بالمغرب. كما كان، وفق شهادات رفاقه، من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنتي 1973 و1974، وهي التجربة التي ستترك أثرها العميق في اختياراته الحقوقية اللاحقة.
ومع تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في 10 دجنبر 1988، كان عبد العزيز بناني من أبرز المساهمين في بلورة فكرتها وبناء هياكلها وتطوير عملها، قبل أن يتولى رئاستها لولايتين متتاليتين بين 1992 و2000، في مرحلة اتسمت بتوترات سياسية وحقوقية قوية، وبصراع متواصل من أجل ترسيخ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.
وفي مارس 2000، غادر بناني رئاسة المنظمة بمناسبة مؤتمرها الوطني الرابع، مسلماً المشعل إلى الراحل عبد الله الولادي، لكنه واصل حضوره داخل الحركة الحقوقية، عضواً في مجلس المنظمة ومدافعاً عن قضاياها.
وامتد نشاط بناني إلى المستوى الدولي، حيث كان من مؤسسي الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان سنة 1997، كما تحمل مسؤوليات قيادية داخل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ليصبح أحد الوجوه المغربية المعروفة في الدفاع عن المعايير الكونية لحقوق الإنسان في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
وشارك الراحل كذلك بفعالية في المناظرة الوطنية الأولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان سنة 2001، قبل أن يعين عضواً في هيئة الإنصاف والمصالحة برئاسة الراحل إدريس بنزكري، وهي التجربة التي أعادت اسمه بقوة إلى عدد من ملفات الذاكرة السياسية المغربية.
ومن أبرز تلك الملفات قضية اغتيال القيادي الاتحادي والنقابي عمر بنجلون، الذي اغتيل يوم 18 دجنبر 1975 أمام منزله بالدار البيضاء. فقد ارتبط اسم بناني بأعمال البحث والتقصي المتعلقة بالقضية داخل مسار العدالة الانتقالية، وظل ملف عمر بنجلون بالنسبة إليه واحداً من أسئلة الحقيقة التي لم تفقد راهنيتها، خاصة في ما يتعلق بكشف جميع الملابسات والمسؤوليات المرتبطة بالجريمة.
وحظي عبد العزيز بناني بعدة تكريمات من هيئات حقوقية وطنية ودولية، كما خصه المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2017 بتكريم احتفى بمساره، خلال فترة رئاسة إدريس اليزمي، في اعتراف بمكانته داخل الحركة الحقوقية المغربية.
برحيل عبد العزيز بناني، تفقد الحركة الحقوقية المغربية واحداً من أبرز بناتها، ومحامياً جمع بين المرافعة القانونية والنضال السياسي والعمل الحقوقي المؤسساتي، وساهم من مواقع متعددة في التحولات التي عرفها المغرب في مجال الحقوق والحريات والعدالة الانتقالية.
ويرحل بناني بعدما ترك وراءه إرثاً حقوقياً ممتداً، لكن أيضاً أسئلة لم تغلق صفحاتها بعد، وفي مقدمتها سؤال الحقيقة الكاملة في عدد من ملفات الماضي السياسي، وفي قلبها ملف الشهيد عمر بنجلون.