الحنبلي عزيز -متابعة
في توقيت يتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، أعادت مؤسسة وسيط المملكة ملف إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية إلى صدارة النقاش العمومي، من خلال مذكرة يقظة تتجاوز التشخيص التقني لأعطاب الإدارة، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بموقع الإصلاح الإداري داخل البناء الحكومي، واستمراريته عبر الولايات الحكومية، ومدى قدرته على تحويل الحقوق المقررة في النصوص إلى خدمات فعلية يلمسها المواطن.
أصدرت مؤسسة وسيط المملكة مذكرة يقظة حول «سياسات الإصلاح الإداري والحاجة إلى حوار عمومي واسع وتموقع حكومي واضح»، مستندة في ذلك إلى وظيفتها القانونية في اقتراح التدابير الكفيلة بتحديث هياكل الإدارة ومساطرها وترسيخ قيم الإدارة المواطنة وأخلاقيات المرفق العمومي، كما ينص على ذلك القانون رقم 14.16 المتعلق بالمؤسسة.
ولا تبدو المذكرة مجرد وثيقة تقنية إضافية حول تحديث الإدارة، بقدر ما تحمل موقفاً مؤسساتياً واضحاً: الإصلاح الإداري ليس قطاعاً جانبياً، بل سياسة عمومية أفقية تمس علاقة الدولة بالمواطن، وتؤثر في نجاح مختلف السياسات العمومية الأخرى.
الإدارة باعتبارها «الوجه اليومي للدولة»
تنطلق مذكرة وسيط المملكة من ملاحظة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالة سياسية وحقوقية عميقة: المواطن لا يختبر الدولة أساساً من خلال الخطب أو الوثائق الاستراتيجية، وإنما من خلال احتكاكه اليومي بالإدارة.
فهو يختبر الدولة عندما يودع طلباً، أو ينتظر جواباً، أو يلج منصة رقمية، أو يحتج على قرار إداري، أو يبحث عن الجهة المسؤولة عن ملفه.
ولهذا تعتبر المؤسسة أن إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية سياسة أفقية تمتد عبر مختلف القطاعات، وتتصل مباشرة بتجربة المواطن مع «الشباك والمنصة والقرار والجواب واحترام الآجال».
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل المذكرة: مصداقية الدولة لا تُقاس فقط بجودة القوانين، وإنما بقدرة الإدارة على تنفيذها.
فقد يكون الحق في العلاج أو التعليم أو السكن أو الاستثمار أو الحماية الاجتماعية مضموناً في التشريع، لكن الممارسة قد تفرغه من مضمونه إذا اصطدم المواطن بمسطرة معقدة، أو غموض في تحديد الجهة المختصة، أو تأخر في الجواب، أو اختلاف في تطبيق القاعدة بين إدارة وأخرى. وتعتبر المذكرة أن إصلاح الإدارة يمثل الحلقة التي تنقل الحقوق من الاعتراف القانوني إلى التمتع الفعلي بها.
عندما تصبح الهندسة الحكومية مشكلة بالنسبة للمواطن
من أكثر جوانب المذكرة دلالة ذلك الربط بين التغييرات الحكومية وإعادة توزيع الاختصاصات من جهة، وحقوق المرتفق من جهة أخرى.
فالمؤسسة تستند إلى تجربتها في معالجة التظلمات لتسجيل أن إعادة هيكلة القطاعات الوزارية أو نقل اختصاص من وزارة إلى أخرى لا تمر دائماً دون آثار على المواطنين.
وقد تظهر هذه الآثار في ملفات تتوقف مؤقتاً، أو التزامات يصبح تنفيذها موضع نقاش، أو صعوبة في تحديد الإدارة التي أصبحت مختصة بعد التعديل الحكومي.
وتشير المذكرة إلى أن تغيير الهيكلة الحكومية قد يخلق صعوبات في تحديد الاختصاصات، خصوصاً خلال المرحلة الفاصلة بين تشكيل حكومة جديدة واستقرار الاختصاصات، أو عند نقل الملفات بين القطاعات. وينعكس ذلك على انسيابية الخدمات وعلى آجال معالجة التظلمات والوفاء بالتعهدات السابقة.
وهذا التشخيص يقود إلى إشكال أكبر: هل ينبغي أن يتغير مسار ملف المواطن كلما تغير الوزير أو اسم الوزارة أو توزيع الحقائب الحكومية؟
من منظور وسيط المملكة، الجواب واضح: استمرارية المرفق العمومي ينبغي أن تكون أقوى من التغيرات السياسية والتنظيمية.
وتنبه المؤسسة، في هذا السياق، إلى حالات تعبر فيها بعض الإدارات والجماعات والمجالس المنتخبة، بعد تغيير المسؤوليات، عن عدم الالتزام بتعهدات سابقة، خاصة عندما تكون لها آثار مالية. وترى المذكرة أن الالتزامات المتخذة في حدود الاختصاص لا ينبغي أن يفقدها المرتفق لمجرد تغير المسؤولين أو الهياكل.
«الذاكرة الإدارية».. مفهوم مركزي في الإصلاح
تطرح المذكرة، بصورة لافتة، قضية حفظ الذاكرة المؤسساتية.
فكل تعديل حكومي أو دمج لقطاع أو إحداث وزارة جديدة ينبغي، وفق التصور الذي تقدمه الوثيقة، أن يرافقه انتقال منظم للملفات والمعطيات والالتزامات والمخاطبين الإداريين.
فالبرامج العمومية، من منظور المؤسسة، يجب ألا تبدأ من الصفر مع كل حكومة.
وتشدد المذكرة على ضرورة وضع ترتيبات انتقالية تحفظ الملفات الجارية وتضمن انتقال المعطيات وتحدد المخاطبين، حتى لا يصبح تغير البنيات عبئاً إضافياً على المرتفق أو سبباً في تعطيل الجواب ومعالجة الملفات.
ومن هنا يمكن فهم إصرار المؤسسة على «تموقع حكومي واضح» لإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية.
ولا تقدم المذكرة، في الواقع، وصفة تنظيمية جاهزة، ولا تحدد بالضرورة ما إذا كان الإصلاح ينبغي أن يسند إلى وزارة مستقلة أو وزارة منتدبة أو بنية مرتبطة مباشرة برئاسة الحكومة؛ لكنها تدافع بوضوح عن وجود قيادة مستقرة، أفقية، ومحددة المسؤولية، تملك القدرة على تنسيق مختلف مكونات الإصلاح.
الرقمنة ليست إصلاحاً إذا رقمنت التعقيد
وتولي المذكرة اهتماماً خاصاً للتحول الرقمي، لكنها تحذر، ضمنياً، من الخلط بين رقمنة الإدارة وإصلاح الإدارة.
فالمنصة الإلكترونية يمكنها أن تقلص التنقل وتسرع بعض الخدمات وتسمح بتتبع الملفات وربط قواعد البيانات، لكن نقل مسطرة معقدة من الورق إلى الشاشة لا يجعلها بالضرورة مسطرة جيدة.
وتقول المذكرة إن الخدمة الرقمية تحتاج إلى مسطرة أصلية واضحة، ومسؤول محدد، وأجل معلوم، وجواب مفهوم، وإمكانية فعلية للتظلم، فضلاً عن مواكبة الفئات التي تجد صعوبة في استعمال الوسائل الرقمية.
وتذهب أبعد من ذلك حين تميز صراحة بين «رقمنة الخدمة» و«إصلاح العلاقة الإدارية». فالرقمنة قد تعني فقط نقل الطلب إلى فضاء إلكتروني، بينما الإصلاح الحقيقي يعني إعادة بناء علاقة المواطن بالإدارة على أساس الوضوح والتبسيط والتتبع والتظلم والحصول على جواب داخل أجل معقول.
ويمكن تلخيص هذه الفكرة في عبارة واحدة: لا ينبغي رقمنة البيروقراطية، بل إصلاحها أولاً ثم استعمال التكنولوجيا لخدمة الإصلاح.
من عدد المنصات إلى رضا المواطن
ومن أهم التحولات التي تقترحها مذكرة وسيط المملكة الانتقال من تقييم الإصلاح الإداري بناء على ما تم إنجازه إجرائياً إلى تقييمه بناء على أثره الفعلي على المواطن.
فبدلاً من الاكتفاء بعدد المنصات الرقمية أو المساطر التي جرى الإعلان عن تبسيطها، تدعو المؤسسة إلى منظومة وطنية لمؤشرات الأداء الإداري.
ومن بين المؤشرات التي تقترحها: جودة الخدمات، سهولة الولوج إليها، آجال تقديمها، مستوى رضا المرتفقين، مدى استجابة الإدارات للتظلمات، ومدى تنفيذ توصيات مؤسسات حماية الحقوق.
وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، لأنه ينقل النقاش من سؤال:
ماذا أنجزت الإدارة؟
إلى سؤال:ماذا تغير فعلياً في حياة المواطن؟
وهو ما تعبر عنه المذكرة بوضوح عندما تدعو إلى الانتقال من قياس حجم التدخل والمشاريع إلى قياس ما وصل فعلياً إلى المرتفق.
إصلاح الإدارة حق وليس منّة
تضع المذكرة كذلك الإصلاح الإداري داخل مرجعية حقوقية ودستورية واضحة.
فهي تستند إلى الفصول من 154 إلى 157 من الدستور، التي تؤطر مبادئ سير المرافق العمومية، وفي مقدمتها الاستمرارية والمساواة والتغطية المنصفة للتراب الوطني والجودة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تستحضر القانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، وميثاق المرافق العمومية، وقانون تعليل القرارات الإدارية، وقانون الحق في الحصول على المعلومات، والميثاق الوطني للاتمركز الإداري.
وعلى المستوى الدولي، تستحضر المادة 41 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحق في إدارة جيدة، وتوصيات مجلس أوروبا، ومبادئ برنامج SIGMA التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الهدف 16.6 من أهداف التنمية المستدامة المرتبط ببناء مؤسسات فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة.
وبذلك تنتقل الوثيقة بالإصلاح الإداري من مجال «التحديث» إلى مجال الالتزام الحقوقي.
لماذا تصدر المذكرة الآن؟
لا يخلو توقيت مذكرة وسيط المملكة من دلالة سياسية واضحة.
فالمؤسسة تربط إصدارها صراحة باقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026 وما سيرافقها من نقاش حول البرامج الحكومية المقبلة.
والرسالة هنا موجهة، بصورة غير مباشرة، إلى الأحزاب السياسية والفاعلين العموميين: إصلاح الإدارة ينبغي ألا يبقى فقرة ثانوية في البرامج الانتخابية.
بل تدعو المذكرة إلى أن تتضمن البرامج التزامات قابلة للقياس في ما يتعلق بآجال الجواب، وتبسيط المساطر، وجودة الاستقبال، وفعالية آليات التظلم، وتوزيع المسؤوليات بين المركز والمصالح اللاممركزة، ومدى التفاعل مع توصيات المؤسسات الرقابية والحقوقية.
وهنا تنتقل الوثيقة من التشخيص الإداري إلى سؤال سياسي صريح: من سيتحمل مسؤولية إصلاح الإدارة داخل الحكومة المقبلة؟ وبأي أدوات؟ وبأي مؤشرات يمكن للمواطن أن يحاسبه؟
ورش قد يحدد نجاح باقي الإصلاحات
تكشف مذكرة وسيط المملكة، في جوهرها، عن مفارقة أساسية: يمكن للدولة أن تتوفر على قوانين متقدمة وبرامج اجتماعية واستثمارات عمومية كبيرة، لكن جزءاً مهماً من أثرها قد يضيع إذا ظلت الإدارة عاجزة عن الاستجابة بسرعة ووضوح وإنصاف.
لهذا يبدو إصلاح الإدارة، وفق منطق الوثيقة، ليس إصلاحاً إلى جانب إصلاحات أخرى، بل شرطاً لإنجاحها جميعاً.
فالدولة الاجتماعية تحتاج إدارة تحدد المستفيدين وتعالج الملفات وتصحح الأخطاء. والاستثمار يحتاج إدارة واضحة وسريعة. والحماية الاجتماعية تحتاج مساطر قابلة للولوج. والرقمنة تحتاج إدارة قادرة على التواصل والتعليل. واللاتمركز يحتاج وضوحاً في توزيع القرار والمسؤولية.
وتختزل الخلاصة التي تقدمها المؤسسة هذا التصور باعتبار إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية سياسة أفقية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمرتفق، وأن قيمتها تقاس بقدرتها على إيصال الحقوق إلى أصحابها عبر مسارات واضحة ومنصفة وقابلة للتتبع.
وبهذا المعنى، لا تطرح مذكرة وسيط المملكة سؤالاً تقنياً حول الشكل الأمثل لتنظيم الوزارات، وإنما تضع أمام الحكومة المقبلة والأحزاب والإدارة والمجتمع سؤالاً أكبر:
أي إدارة يريدها المغرب خلال السنوات المقبلة؟
إدارة تقيس نجاحها بعدد القرارات والمنصات والمذكرات الصادرة؟ أم إدارة تقيس نجاحها بالوقت الذي وفرته للمواطن، وبوضوح مساطره، وبسرعة الرد على تظلمه، وبقدرته على معرفة المسؤول عن ملفه، وبثقته في أن حقوقه لن تتغير بتغير الوزراء والهياكل؟
ذلك هو، في نهاية المطاف، الرهان الحقيقي الذي تضعه مذكرة وسيط المملكة أمام النقاش العمومي: الانتقال من إصلاح الإدارة باعتباره ورشاً تنظيمياً إلى إصلاحها باعتبارها فضاء يومياً لممارسة الحقوق وبناء الثقة بين المواطن والدولة.