تقرير الأخبار الرقمية 2026 لمعهد رويترز يسجل تراجع المواقع الإخبارية لصالح منصات التواصل الاجتماعي والفيديو

أحمد رباص ـ تنوير
تتطور عادات استهلاك الأخبار بوتيرة متسارعة. فبحسب “تقرير الأخبار الرقمية 2026” الصادر عن معهد رويترز، أصبحت حاليا منصات التواصل الاجتماعي والفيديو البوابة الرئيسية للأخبار على المستوى العالمي، متجاوزةً المواقع الإخبارية والتلفزيون. وفي الوقت نفسه، وصل مستوى الثقة بالمعلومات إلى أدنى مستوياته منذ عقد. ويبرز هذا التوجه بشكل خاص في المغرب، حيث ينمو استخدام الوسائل الرقمية بوتيرة متسارعة، بينما تبقى علاقة الجمهور بوسائل الإعلام هشة.
يشهد المشهد الإعلامي العالمي مرحلة جديدة. ففي تقريره لعام 2026، رصد “تقرير الأخبار الرقمية” الذي أنجزه معهد رويترز تحولاً جذرياً في كيفية استهلاك المعلومات. ولأول مرة منذ بدء الدراسة، تفوقت منصات الطرف الثالث – الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو – على وسائل الإعلام التقليدية لتصبح المصدر الرئيسي للأخبار. ويؤثر هذا التحول الآن على غالبية الأسواق التي شملتها الدراسة، بما فيها المغرب.
وإلى جانب هذا التحول في القنوات، يُسلط التقرير الضوء على اتجاه أكثر إثارة للقلق: التآكل المستمر للثقة في المعلومات. فعلى الصعيد العالمي، أفاد 37% فقط من المشاركين في الاستطلاع بثقتهم في المعلومات التي يستشيرونها بشكل متكرر، وهو أدنى مستوى مُسجل منذ بدء هذا القياس في عام 2015.
ورغم أن التقرير العالمي لا يُفصّل أرقاماً خاصة بالمغرب في بيانه الصحفي، إلا أن الإصدارات السابقة تُظهر أن المملكة من بين الدول التي تلعب فيها الأدوات الرقمية دوراً بالغ الأهمية في الوصول إلى المعلومات.
لسنوات عديدة، كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي المدخل المُفضل للأخبار بالنسبة إلى شريحة واسعة من مستخدمي الإنترنت المغاربة. تلعب منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ويوتوب وإنستغرام، ومؤخراً تيك توك، دوراً متزايد الأهمية في نشر المحتوى المعلوماتي، لا سيما بين الأجيال الشابة. ويتماشى هذا التوجه تماماً مع التطورات التي رصدها معهد رويترز عالمياً.
ووفقاً للتقرير، يعتبر 30% من المشاركين في الاستطلاع من 48 دولة، وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو مصدرهم الرئيسي للمعلومات، مقارنةً بـ 22% فقط قبل خمس سنوات. ولم يعد هذا التوجه مقتصراً على فئة الشباب، بل بات يشمل جميع الفئات العمرية.
يمثل هذا التطور تحدياً كبيراً لوسائل الإعلام المغربية. فلم تعد غرف الأخبار تتنافس فقط مع وسائل الإعلام الأخرى، بل مع منظومة رقمية متكاملة تستحوذ على اهتمام مستخدمي الإنترنت، تشمل صناع المحتوى، والمؤثرين، ومنصات الفيديو، وخوارزميات التوصيات.
من أبرز نتائج التقرير أزمة الثقة التي تُؤثر على المعلومات في العديد من البلدان. عاين باحثون في معهد رويترز مزيجًا من الإرهاق والعزوف والتشكيك لدى شريحة من الجمهور. ويعتقد كثيرون ممن شملهم الاستطلاع أن وسائل الإعلام لا تُغطي بشكل كافٍ بعض القضايا الرئيسية كالتضخم والهجرة والنزاعات الدولية وتغير المناخ.
وتُلاحظ هذه الظاهرة بشكل خاص في المغرب. ففي ظل وفرة مصادر المعلومات، يواجه المواطنون كمًا هائلًا من المحتوى الذي يصعب دائمًا تقييم مصداقيته. تُتيح وسائل التواصل الاجتماعي الوصول الفوري إلى الأخبار، لكنها تُسهّل أيضًا الانتشار السريع للشائعات والمعلومات غير الدقيقة أو المُقتطعة من سياقها.
تُعدّ المفارقة التي أبرزها معهد رويترز مُلفتة للنظر: فبينما تُصبح المنصات الرقمية المدخل الرئيسي للمعلومات، يُعرب المستخدمون في الوقت نفسه عن قلق متزايد بشأن المعلومات المُضللة وتداعياتها المجتمعية.
ومن الاتجاهات المهمة الأخرى التزايد المُستمر في انتشار مقاطع الفيديو الإخبارية على الإنترنت. بحسب التقرير، يشاهد 77% من المشاركين في الاستطلاع مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت أسبوعيًا. وفي معظم الأسواق التي شملتها الدراسة، تجاوزت مقاطع الفيديو عبر الإنترنت البث التلفزيوني الإخباري التقليدي.
يُعدّ هذا التحوّل بالغ الأهميةىبالنسبة إلى الأجيال الشابة، التي تتباعد عاداتها في استهلاك المعلومات بشكل متزايد عن النماذج التقليدية القائمة على الصحف المطبوعة أو البرامج الإخبارية التلفزيونية المجدولة. ويشير معهد رويترز إلى أن أكثر من نصف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما لم يعتدوا قط على قراءة الصحف المطبوعة بانتظام.
وبالنسبة إلى الإعلام المغربي، يستلزم هذا الواقع تكييفا مستمرا لأساليب النشر. إذ يجب الآن تصميم المعلومات لتناسب الاستهلاك السريع عبر الأجهزة المحمولة، وغالبًا ما يكون ذلك عبر الوسائط السمعية والبصرية، دون التضحية بمعايير التحقق والجودة الصحفية.
يزيل التقرير أيضاً القناع عن النفوذ المتنامي لصناع المحتوى المتخصصين في الأخبار. فعلى الصعيد العالمي، أفاد 27% من المشاركين في الاستطلاع بأنهم يستشيرون صناع المحتوى أو المؤثرين الذين ينتجون محتوى إخبارياً. غالباً ما يُنظر إلى هؤلاء الصناع على أنهم أكثر سهولة في الوصول إليهم، وأقرب إلى الجمهور، وأسهل فهماً من وسائل الإعلام التقليدية.
يبرز هذا التوجه بشكل خاص في المغرب، حيث أصبح العديد من صناع المحتوى الرقميين بمثابة قنوات لنقل المعلومات يتابعها جمهور واسع. مع ذلك، يُقيّد معهد رويترز فكرة استبدال وسائل الإعلام التقليدية، إذ يُكمّل صناع المحتوى مصادر الأخبار الحالية بدلاً من استبدالها تماماً.
ومع ذلك، يثير هذا التعايش تساؤلات جوهرية حول المعايير المهنية، والتحقق من الوقائع، والمسؤولية التحريرية في بيئة يُمكن لأي شخص فيها أن يصبح منتجاً للأخبار.
كما يتحدث تقرير عام 2026 أيضاً عت الظهور التدريجي للذكاء الاصطناعي كوسيط جديد للمعلومات. يستخدم حاليًا 10% من المشاركين في الاستطلاع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعيًا للوصول إلى الأخبار، مقارنةً بـ 7% في عام 2025. وتنتشر هذه الممارسة بشكل خاص بين من هم دون سن 35 عامًا.
مع ذلك، لا تزال الثقة في الإجابات التي تقدمها هذه الأدوات محدودة. فعلى الصعيد العالمي، يقول 20% فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم يثقون بالمعلومات التي يحصلون عليها عبر روبوتات الدردشة.
أما بالنسبة إلى وسائل الإعلام المغربية، كما هو الحال بالنسبة لنظيراتها الدولية، فيكمن التحدي الآن في إيجاد مكانها في بيئة تتزايد فيها أهمية المنصات ومنشئي المحتوى وأدوات الذكاء الاصطناعي كوسيط مؤثر.
بعيدا عن الأرقام، يعرف “تقرير الأخبار الرقمية” بحقيقة أساسية: لا يزال المواطنون يُقدّرون المعلومات، لكنهم يستهلكونها بطريقة مختلفة، ويُطالبون بمصداقيتها بشكلٍ أكبر.
في ظلّ مشهد إعلامي مُشتّت، تبرز الثقة أكثر من أي وقت مضى كأثمن ما تملكه وسائل الإعلام. بالنسبة إلى العاملين المغاربة في مجال الإعلام، لم يعد التحدي يقتصر على التواجد على المنصات الرقمية فحسب، بل يشمل أيضًا الحفاظ على دورهم كمرجعٍ رائد في فضاءٍ تصعّب فيه وفرة المحتوى التمييز بين المعلومات الموثوقة والآراء والمعلومات المُضلّلة.



