افتتاحية

تصريحات عبد المجيد تبون الأخيرة تثير جدلاً واسعاً وتكشف تناقضات الدبلوماسية الجزائرية

تبون الجزائر بين تونس والمغرب ومالي والإمارات وفرنسا: دبلوماسية النفوذ تصطدم بتناقضات خطاب السيادة

الحنبلي عزيز

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نقاشاً واسعاً، بعدما امتدت من علاقة بلاده بالدول العربية إلى تونس والمغرب ومالي وفرنسا، مروراً بملف الإرهاب ومشاريع الغاز الإفريقية. وبينما يحاول الخطاب الرسمي تقديم الجزائر قوة إقليمية مسالمة تتمسك بسيادة الدول وترفض التدخل في شؤونها، تكشف مواقف تبون عن تناقضات واضحة بين المبادئ المعلنة وطريقة التعامل مع عدد من دول الجوار.

تونس بين التعاون الأمني وشبهة الوصاية

أكد تبون أن أي تهديد لأمن تونس يمس الجزائر مباشرة، وأن بلاده لن تسمح بإدخال الإرهاب إلى الدولة الجارة. ولا شك أن التعاون الأمني بين البلدين تفرضه الحدود المشتركة والمخاطر الإقليمية، غير أن الصيغة التي تحدث بها الرئيس الجزائري أثارت انتقادات في تونس، حيث رأى البعض أنها تجاوزت منطق التضامن إلى التحدث باسم الدولة التونسية وتحديد المخاطر التي تواجهها.

وزاد الجدل بسبب المقارنة بين صمت السلطات التونسية تجاه تصريحات تبون، وردها الصارم على كلام الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي بشأن الأوضاع الداخلية. وهي مفارقة أعادت طرح سؤال حساس: هل تتعامل تونس مع مبدأ عدم التدخل بالصرامة نفسها، أم أن موقفها يتغير باختلاف الجهة التي تصدر عنها التصريحات؟

علاقات عربية انتقائية وتوتر متصاعد مع الإمارات

حرص تبون على التأكيد أن الجزائر تحافظ على علاقات جيدة مع عدد من الدول العربية، ولا سيما مصر والسعودية ودول الخليج. لكنه وجه، في الوقت نفسه، انتقادات حادة إلى دولة لم يسمها صراحة، فُهم أن المقصود بها الإمارات العربية المتحدة، متهماً إياها بالتدخل في أزمات دول عربية ومحاولة توسيع نفوذها الإقليمي.

ويكشف هذا الخطاب عن توتر عميق بين الجزائر وأبوظبي بشأن ملفات شمال إفريقيا وليبيا والساحل. غير أن انتقاد التدخل الإماراتي يضع الجزائر أمام اختبار المصداقية؛ إذ يصعب الدفاع عن سيادة الدول في حالة، ثم استخدام لغة توحي بالوصاية عند الحديث عن تونس، أو ممارسة نفوذ مباشر في ملفات مالي والصحراء المغربية.

وتبدو علاقة الجزائر بالعالم العربي محكومة بمنطق انتقائي يجمع بين التقارب مع بعض العواصم والدخول في خصومات مع أخرى، تبعاً لتقاطعات النفوذ والمصالح. وبذلك، تتحول الدعوة إلى وحدة الصف العربي إلى شعار يصطدم بالتوترات السياسية والإعلامية المتزايدة.

المغرب والصحراء المغربية.. إنكار صفة الطرف مع حضور كامل في النزاع

تؤكد الجزائر باستمرار أنها ليست طرفاً في نزاع الصحراء المغربية، لكن ممارساتها السياسية والدبلوماسية تقدم صورة مغايرة. فهي تستضيف جبهة البوليساريو، وتدعمها في المحافل الدولية، وتجعل الملف محوراً أساسياً في خلافاتها مع الرباط وعدد من شركائها.

في المقابل، يواصل المقترح المغربي للحكم الذاتي توسيع دائرة الدعم الدولي باعتباره حلاً جدياً وواقعياً وقابلاً للتطبيق. كما يعمل المغرب على تعزيز التنمية في أقاليمه الجنوبية من خلال مشاريع الموانئ والطرق والطاقات المتجددة والاستثمارات الدولية، ما ينقل النقاش تدريجياً من إدارة النزاع إلى بناء واقع اقتصادي وتنموي جديد.

وتكشف هذه التحولات محدودية المقاربة الجزائرية القائمة على إبقاء الملف مفتوحاً، في وقت تتجه فيه قوى دولية مؤثرة نحو دعم الحل السياسي المغربي. كما أن تقديم الجزائر لنفسها طرفاً محايداً يصبح صعباً أمام حجم انخراطها في القضية وارتباط علاقاتها الإقليمية بمواقف الدول من الصحراء المغربية.

مالي.. من الوساطة إلى المواجهة

مثلت مالي لسنوات إحدى أهم ساحات النفوذ الدبلوماسي الجزائري في منطقة الساحل، خاصة بعد رعاية الجزائر اتفاق السلام لسنة 2015. غير أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة توتر حاد بعد انسحاب باماكو من الاتفاق، واتهام السلطات المالية الجزائر بالتدخل في شؤونها وإقامة علاقات مع جماعات مسلحة في شمال البلاد، وهي اتهامات نفتها الجزائر.

وتفاقمت الأزمة عقب حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود، لتدخل العلاقات مرحلة من التصعيد شملت تبادل الإجراءات الدبلوماسية وإغلاق المجال الجوي. ورغم عودة قنوات التواصل لاحقاً، فإن أسباب الخلاف لم تختف، كما تراجعت ثقة باماكو في قدرة الجزائر على أداء دور الوسيط المحايد.

وكشفت الأزمة المالية أن النفوذ التاريخي للجزائر في الساحل لم يعد مضموناً، خصوصاً مع بحث مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن شراكات جديدة. وقد وجدت هذه الدول في المبادرة الأطلسية المغربية فرصة للوصول إلى الموانئ والأسواق الدولية، ضمن مقاربة تربط الأمن بالتنمية والتجارة بدل الاكتفاء بالوساطة السياسية.

الإرهاب والسلام.. تناقض بين الرسالة واللهجة

قدم تبون الجزائر باعتبارها دولة ذات خبرة في مكافحة الإرهاب، وقوة تسعى إلى إحلال السلام والوساطة في النزاعات. كما شدد على أن الإرهاب ليس قدراً إفريقياً، بل ظاهرة ترتبط بتدخلات ومصالح دولية.

غير أن لغة التهديد المستخدمة أحياناً تجاه بعض الأطراف الإقليمية تضعف هذا الخطاب. فالوساطة تتطلب الثقة والحياد والعلاقات المستقرة، في حين تعيش الجزائر قطيعة مع المغرب، وخلافاً مع الإمارات، وتوتراً متكرراً مع فرنسا، وأزمة ثقة مع مالي.

ويصعب إقناع دول المنطقة بدور الوسيط حين تشعر بأن الوساطة قد تتحول إلى وسيلة لحماية النفوذ أو فرض تصورات سياسية وأمنية لا تنسجم بالضرورة مع اختياراتها السيادية.

فرنسا والتأشيرات.. خطاب الندية الموجه إلى الداخل

وفي علاقته بفرنسا، نفى تبون أن تكون الجزائر قد طلبت زيادة حصة التأشيرات الممنوحة لمواطنيها، مؤكداً أن بلاده لا تطلب امتيازات وأن العلاقات يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

ويحمل هذا الموقف رسالة موجهة أساساً إلى الرأي العام الجزائري، الحساس تجاه الإرث الاستعماري والعلاقة المعقدة مع باريس. لكنه لا يخفي تشابك المصالح بين البلدين، ولا التوتر المتراكم حول الهجرة والذاكرة والتعاون الأمني والموقف الفرنسي من الصحراء المغربية.

وتبدو العلاقة الجزائرية الفرنسية متأرجحة بين الحاجة إلى التعاون والرغبة في الحفاظ على خطاب سياسي قائم على الاستقلالية والمواجهة، وهو ما يجعلها عرضة لأزمات متكررة يصعب تجاوزها نهائياً.

أنبوب الغاز النيجيري.. منافسة المشاريع والرؤى

تراهن الجزائر على أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر وصولاً إلى الجزائر ثم أوروبا. ويتميز المشروع بقصر مساره نسبياً، لكنه يمر بمناطق تعاني اضطرابات أمنية وسياسية تهدد فرص تنفيذه واستمراره.

في المقابل، يتقدم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب مروراً بعدد من دول غرب إفريقيا. ويتميز هذا المشروع بإشراك دول عديدة ومنحها فرصاً للاستفادة من الغاز والاستثمار والبنية التحتية، ما يجعله مشروعاً للاندماج الإقليمي وليس مجرد قناة للتصدير.

ولا يتعلق التنافس هنا بالأنبوبين فقط، بل بنموذجين مختلفين للحضور في إفريقيا: نموذج يركز على الموقع الجغرافي والنفوذ التقليدي، وآخر يسعى إلى بناء شبكة من المصالح الاقتصادية والشراكات الممتدة على طول الساحل الأطلسي.

دبلوماسية تبحث عن النفوذ وتفقد الثقة

تكشف تصريحات تبون عن رغبة الجزائر في استعادة مكانتها الإقليمية، لكن الخطاب يصطدم بتناقضات يصعب تجاهلها. فهي ترفض التدخل في شؤون الدول، ثم تتحدث عن تونس بمنطق الحماية؛ وتقدم نفسها وسيطاً في الساحل، ثم تدخل في مواجهة مع مالي؛ وتقول إنها ليست طرفاً في قضية الصحراء، بينما تضعها في قلب سياستها الخارجية؛ وتدعو إلى السلام، في وقت تظل فيه الحدود مع المغرب مغلقة والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة.

لا تكمن المشكلة في دفاع الجزائر عن مصالحها، فهو حق مشروع لكل دولة، بل في تقديم هذه المصالح باعتبارها مبادئ ثابتة، بينما يتغير تطبيقها باختلاف الحلفاء والخصوم. فالمنطقة تحتاج إلى دبلوماسية تبني الثقة، وتحترم السيادة بالتساوي، وتربط الأمن بالتنمية، بدلاً من خطاب يعيد إنتاج الصراعات ويحول كل تقدم يحققه الجار إلى تهديد يجب مواجهته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى