الحنبلي عزيز -متابعة
أثار نشر مجموعة القرصنة المعروفة باسم «جبروت»، يوم الاثنين 24 غشت 2026، ملفات قالت إنها تضم بيانات تخص نحو 70 ألفاً و381 شخصاً مرتبطين بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، موجة واسعة من الجدل، بعدما جرى تقديم العملية في عدد من المنابر باعتبارها اختراقاً غير مسبوق للمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وبحسب ما روجته المجموعة عبر «تلغرام»، فإن الملفات تتضمن بيانات شخصية ومهنية تتعلق بموظفين وعناصر أمنية، من بينها معلومات إدارية ووظيفية، فيما أشارت بعض التقارير إلى وجود معطيات مالية في عدد محدود من الحالات. غير أن نشر هذه البيانات لا يثبت، في حد ذاته، أن مصدرها هو الأنظمة المعلوماتية الداخلية للأجهزة الأمنية المعنية.
فالمعطيات التي خضعت لتدقيق أولي تكشف صورة أكثر تعقيداً. إذ خلصت عمليات تحقق صحفية إلى أن نسبة كبيرة من الأسماء الواردة في الملفات تعود إلى موظفين بالمديرية العامة للأمن الوطني، وليس إلى «عناصر استخبارات» كما قدمتهم رواية الجهة الناشرة، كما ظهرت ضمن العينات أسماء لموظفين إداريين ومعطيات يصعب مطابقتها أو تتضمن اختلالات.
ويبرز هنا فرق أساسي بين اختراق جهاز أمني وبين تسريب بيانات لموظفين أمنيين مخزنة لدى مؤسسة أخرى. فموظف الأمن، باعتباره موظفاً عمومياً، توجد بعض بياناته الإدارية لدى مؤسسات مرتبطة بالتغطية الاجتماعية أو التأمين أو التقاعد وتدبير الأجور. ولذلك فإن ظهور اسمه في قاعدة مسربة لا يعني تلقائياً أن قاعدة بيانات الأمن الوطني أو مراقبة التراب الوطني نفسها تعرضت للاختراق.
وقد رجحت تحليلات منشورة فرضية أن تكون بعض البيانات قد جُمعت من قواعد سبق اختراقها أو من أرشيف إداري، ثم أعيد تجميعها وتقديمها في قالب جديد، وهي العملية المعروفة في الأمن السيبراني بإعادة تدوير أو إعادة تغليف البيانات المسربة.
وتعزز هذه الفرضية طبيعة بعض المعطيات المنشورة. فالتقارير التي فحصت الملفات تشير إلى أن أحدث تاريخ توظيف ظاهر فيها يعود إلى سنة 2020، كما ورد ضمنها اسم الراحل عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي توفي في غشت 2022. وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت القاعدة تعكس وضعاً راهناً سنة 2026 أم أنها تتضمن أرشيفاً يعود إلى سنوات سابقة.
كما ساهم إبراز أسماء مسؤولين أمنيين بارزين في منح العملية صدى سياسياً وإعلامياً أكبر، لكن وجود أسماء حساسة داخل ملف ما لا يكفي تقنياً لتحديد مصدر ذلك الملف أو إثبات حدوث اختراق مباشر للبنية المعلوماتية للمؤسسة التي يعمل بها أصحاب الأسماء.
ومع ذلك، فإن التشكيك في رواية «اختراق الأجهزة الأمنية» لا يقلل من خطورة الواقعة نفسها. فتسريب بيانات شخصية أو إدارية لموظفين عموميين يظل حادثاً خطيراً يستوجب تحديد المصدر، والتحقق من أصالة البيانات وتاريخ استخراجها والجهة التي كانت تحتفظ بها.
وإلى حدود المعطيات المتاحة، لم يظهر تحقق تقني مستقل يثبت أن قواعد البيانات التشغيلية للمديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني هي المصدر المباشر للملفات. كما أفادت تغطيات صحفية بأنها لم تتوصل، عند نشرها، إلى جواب رسمي يحسم طبيعة المعطيات ومصدرها.
وبين تسريب يبدو أن جزءاً من بياناته حقيقي وبين رواية «اختراق 70 ألف عنصر استخباراتي»، يبقى الحذر ضرورياً؛ فالحقيقة التقنية لا يحددها حجم الملف ولا العنوان المثير، وإنما مصدر البيانات، وتاريخها، ومدى تحيينها، والكيفية التي وصلت بها إلى الجهة التي قامت بنشرها.