تحاول السردية المنتشرة، اليوم، حول إنقلاب ولي العهد آنذاك على الملك محمد الخامس، أن تقدم للجمهور الرقمي، خاصة /المتتبع المرفه صورة نمطية- مثالية عن سلوك وحكمة الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني، أغلبها إيجابية ومطلقة، لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها….!
ولهذا نذكر بما تطرقنا له فيما سبق بعجالة إلى الحيثيات السياسية والإقتصادية لفترة هذه الحكومة الفريدة، خاصة وان اليسار الممانع، ومنه تحالف اليسار، لم يقطع الصلة بهذه التجربة الرائدة، ولا هو حرم النقاش فيها، لدى النخبة والمناضلين، وفي الإشكالية السياسية والدستورية، اليوم ببلادنا( انظر البرنامج للتحالف)، فضلا عن الإقتصادية منها، وذلك لأهميتها وراهنية الأفكار الي حبلت بها، حبل بها رجالاتها، وعلى راسهم عبدالله إبراهيم، مع اختلاف السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية، الوطنية والإقليمية والدولية.
كما نذكر بفرضية العمل للتأمل التي سقناها سابقا،وهي كالتالي: إنقلاب الأمير الحسن الثاني كان على إختيارات حكومة ع. الله إبراهيم السياسية وليس على شخص الملك محمد الخامس، بالذات. تتعلق الإشكالية بإقالة وليس بإستقالة رئيس الحكومة، آنذاك. ثم ان الأمر أقرب إلى شبه سيناريو مسرحية – مآمرة مشتركة مضادة للقصر ضد الحكومة اليسارية الشرعية لعبدالله إبراهيم، وليس بإنقلاب مزعوم -في الصف الأول- لولي العهد على الملك محمد الخامس، فجر الإستقلال.
ونذكر أيضا بالمنهج التحليلي النقدي الذي اعتمدناه في مجموع مقالتنا هاته:
التفكيكية التي حاولنا إعتمادها تأخذ مفهوما بمفهوم أو مقولة بمقولة مقابلة ومعاكسة، وتحاول بناء سردية أخرى/ نقض الأطروحة، مشاكسة في ذلك للسردية الأولى (عادة ما تسمى السردية الرسمية، أو الأطروحة السائدة أو المسيطرة)، بإستعمال علوم أخرى، كعلم السياسة والتاريخ السياسي والمنطق الجدلي/ الرياضيات، وغيرهما، وتقنيات تحليل المضمون، وغيرها…
1- في المحصلة، يمكن إعتبار الصراع المحموم في سياق “الإستقلال السياسي المنقوص”، طبعا، على حد قول بنسعيد آيت إيدر، هو بين القصر بمجمله، بما في ذلك إحتمال السيناريو الذكي جدا لمسرحية دبابات الامير/ رئيس الأركان على باب القصر الملكي، فالإطاحة الفعلية بمحمد الخامس من على الملك، من طرف ولي العهد، إبن أمه لا لا عبلة، والإطاحة -في آن واحد- بعبد الله إبراهيم، وذلك بضربة معلم واحدة…!
لقد كان ذلك بإيعاز من قوى المحافظة (القوة الرابعة)، وعلى رأسها الدولة العميقة الفرنسية بلا شك، والأمريكية والإسبانية، وإسرائيل، وهي الأجهزة للدولة الإستعمارية المتورطة رأسا، بعدها، مثلا، في إعطاء الضوء الأخضر لإختطاف المهدي بن بركة، التاسع والعشرون من أكتوبر 1965 ( أنظر كتاب موريس بيتان، حيث يظهر تورط طبعا حتى المخابرات المغربية و بعض جنرالات المغرب، في ذلك. أنظر أيضا تورط جنرالات بالأسماء في كتاب بيير دو فيلوماريست، حيث لعبت المخابرات والكونترإسبيوناج دورا خطيرا في الإختطاف، ذاك.).
وهي الدول/ الأجهزة التي لم تر حينها لا شك في محمد الخامس الشخص/ المؤسسة الغليظة الذي يمكن التعويل عليه لإرساء ملكية كما تصورتها هي على المقاس، ملكية تنفيذية، تخدم مصلحتها، أولا وقبل كل شيء ( أنظر معاهدة إكس ليبان، مثلا…)، إذ لم يبلي البلاء الفض الحاسم في التعامل مع أحداث زلزال أكادير، ولا في التصفية اللازمة والكاملة، إلا من هرب بجلده، لأعضاء وقياديي جيش التحرير، ممن لم يطرحوا سلاحهم جانبا، متطلعين إلى إكمال تحرير شامل للمغرب جنوبا..( انظر تكالب الجميع على المقاومة المسلحة بمعركة بوكافر…) وبتصور آخر للنظام السياسي بالبلاد.
أنه التناقض الثانوي بينها، جميعها، كمدافعة عن الملكية المطلقة أو شبه المطلقة، مادام الجالس على العرش سينفذ الأعتى والشكل المتأخر من الملكية القروسطية – الوراثية، من جهة، والقطب الاساس في الصراع السياسي، بين هذه الاخيرة وأقطاب الحركة الوطنية، بالذات، والجناح اليساري فيها، على الخصوص ( الحزب الشيوعي المغربي، خلايا المقاومة المسلحة،… )، الطامحة إلى إقتسام السلطة وتحقيق الديموقراطية، ببلدنا، من جهة أخرى.
وعليه، فما دفع الأمير المتطلع للحكم -حقيقة- إلى إسقاط وإقالة حكومة ع. الله إبراهيم، ليس فقط أنها لم تقبل بإستقبال شكلي لضابط دبلوماسي أمريكي في رحاب ديوانها، وهو “الغير مرغوب فيه”، personne none ingrata حسب التقاليد الدبلوماسية العريقة، وحسب توجه الحكومة التقدمية لعبد الله إبراهيم، بالذات، التي لم تر في الولايات المتحدة الأمريكية حليفا إستراتيجيا لها، وإنما لأن مشروعان سياسيان متعارضان إصطدما ببعضهما البعض منذ البداية، ولربما إلى اليوم، بالرغم من لزوجة الصراع، وذلك منذ البواكر الأولى لنشأة الدولة المغربية، مشروع الدولة -المخزن، والتطور الرأسمالي التبعي والريعي للإقتصاد المغربي، من جهة، ومشروع دولة المواطنة الكاملة لكل المغاربة، مشروع الدولة العصرية، الدولة الديموقراطية، والأفق الإشتراكي، أفق الإشتراكي الموحد وحلفاؤه من قوى اليسار، من جهة أخرى.
/2في نقض ما صنع في المغرب / المناولة بلا غد
نتطرق الآن إلى نقض إبدال النموذج التنموي الجديد الرسمي، وخاصة في تنويه الحكومة الحالية المزعوم والمتهافت بتطبيق الصيغة المثلى لمقولة “صنع في المغرب”، والتي تتطلب -صراحة- تحقيق شروط سياسية وتنموية مميزة، وضامنة ل”هوية إقتصادية” فعلية، وصناعية خاصة، تجر باقي الإقتصاد الوطني، والتي لا تستقيم دون الإعلاء من قيمة “مهن وطنية” متميزة، ضاربة في الخصوصية، ومن احترام للدمقراطية الكونية (ديمقراطية اقتصادية، نقابية وسياسية…).
فدفعنا لإعتماد نموذج إستبدال الواردات بصناعات محلية لسد الحاجيات الأساسية وللتصدير أمر أكد التاريخ الراهن لبلادنا أهميته( تذكر حكومة عبدالله إبراهيم ( 1958- 1960) و إقالة ( وليس إستقالة!، أنظر أعلاه) مشروعها في التنمية لسنوات 1960- 1964، والذي وضع شروط التنمية المتمركزة على الذات، والذي لم يسمح له بالتحقق، من أصله.
كما سمحت لنا تجربة كوفيد 19 باستخلاص دروس مهمة في مجال الاقتصاد السياسي للتنمية تعيد للواجهة أهمية المشروع التاريخي لحكومة عبد الله إبراهيم، أخذا بالاعتبار طبعا جديد السياق الإقليمي والدولي والوطني الذي ينزل بكلكله على السياسة والاقتصاد والمجتمع المغربي، وهو ما سنتطرق له في الحلقة المقبلة والأخيرة.
خلصنا إلى نتائج ونوايا رسمية تفيد في ضخ معلومات ملتبسة بمقدار، أصبح اليوم من الممكن أن يسمح النظام بتداولها بين الناس، كحيثيات “محاولاتي إنقلاب الجيش الفاشلة/ المفشلة في السبعينات على الملكية”!، بما هما ما سميناه إنقلاب واحد بشوطين- رصاصتين متتبابعين، الأول على الأرض وفقط الثاني في السماء، والتي لم تزدها إفتعال الأزمات والفوضى والخطر والزيف والتحكم فيها جميعها وإستباق آفاقها إلا شرعية سياسية ورمزية للحاكم لدى العموم، ولم لا ايضا، تقديم سردية إيديولوجية رسمية قد تكون مقبولة في ذلك، فإعادة هندسة السلطة والمجتمع، وإيجاز الحديث والتداول العمومي- الشعبي في/ وعن “محاولة إنقلاب” ولي العهد، آنذاك، أيضا، عن محمد الخامس، ملك المغرب، والحاكم الرئيس في البلاد، غداة الإستقلال! وفي وعلى وجهي محاولتي الإنقلاب بداية السبعينات،… من الأحداث والمنعطفات الفارقة في التاريخ السياسي لبلادنا.
ذ. عبد الواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد/ تحالف اليسار.