قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء التاسع)

أحمد رباص ـ تنوير
من حسنات هذه المبادرة المتمثلة في إنجاز قراءة في هذا الكتاب الذي ألفه الأستاذ عبد الجليل باحدو، هناك ذلك الاعتراف من قبل القراء بكفاءته على مستوى إدارة وقيادة مؤسسة التضامن الجامعي، وكذا بجدارة كتابه الذي بين أيدينا بالقراءة؛ بحيث يتمنى المتتبع لهذه السلسة، بل يلزم نفسه، بالحصول على نسخة منه.
هذا ما بدر من أحد الإخوة الذين راهن هو الآخر على التغيير الذي بشرت به الفكرة الاتحادية، لكنه أصيب في الأخير بخيبة أمل كبيرة على غرار ما شعر به وعبر عنه الأخ عبد الجليل باحدو. تفاعل معي الأخ الاتحادي مرتين. في المرة الأولى علق على هامش الحلقة السابعة، وكذلك فعل في المرة الثانية على هامش الحلقة الثامنة. (1) “عبد الجليل باحدو كان أمينا عاما للتضامن الجامعي لرجال و نساء التعليم.. نعم الرجل. عشنا معه لسنين طوال..” (2) “شكرا لك الأخ سي أحمد. فهذا النقد لكتاب “كنت اتحاديا” للأستاذ سي عبد الجليل باحدو يروي عن وقائع عشناها داخل الاتحاد الاشتراكي وأخرى ربما غابت عن ذهننا. من أجل هذا، علي أن أقتني هذا الكتاب كوثيقة تاريخية تؤرخ لمرحلة مر منها حزبنا العتيد، إبان النضال الشريف بين شرفاء هذا الوطن بمخبريه. تركنا لهم الحزب ليسكنوه مع الغربان..”
على مدى ثلاث صفحات، وتحت عنوان “عرس المهدي”، تناول الكاتب إحياء الذكرى الأربعينية لاغتيال عمر بنجلون. في الفقرة الأولى، عبر عن سعادته بلقاء الشاعر المصري احمد عبد المعطي حجازي الذي قال عنه في بداية الفقرة الثانية إنه كان “يقيم في باريس التي كانت عاصمة الفكر والنقد والحداثة ولجوء المثقفين من معظم البلاد العربية”. من خلال الصيغة التي كتبت بها هذه الجملة يبدو أن كلمة “لجوء” جاءت كمعطوف على “الفكر” شأنها في ذلك شأن الكلمتين اللتين تسبقانها: “النقد والحداثة”. وبما أن كلمة “لجوء” لا تمت بصلة للحقل الدلالي الخاص بالكلمات الثلاثة التي سبقتها، وجب حذفها واستبدالها باسم مكان على أن تنطق منصوبة لأنها معطوفة على كلمة “عاصمة” التي تعرب خبر كان. وهكذا تتحول الجملة إلى الشكل التالي: “(…) باريس التي كانت عاصمة الفكر والنقد والحداثة وملجأ للمثقفين …”
إنما الداعي إلى ذكر الشاعر عبد المعطي حجازي في هذا المقام التأبيني هو رثاؤه للشهيد عمر بنجلون في قصيدة تحمل عنوان “عرس المهدي”، وتعبر عن الحزن العميق لفقدانه، لكنها في الوقت نفسه تحمل أبعاداً وطنية وسياسية تعكس معاناة الوطن العربي، خصوصاً فلسطين، والصراعات التي يعيشها.
ويظهر عمر بنجلون في القصيدة كشخصية وطنية رمزية، تجمع بين الحزن والأمل، بين الألم والغضب، هاتفا بالوطن العربي بكل أقطاره، من فلسطين إلى المغرب غير هامل ذكر باريس.
خارطة الوطن العربي هاته، التي كان عمر يحلم برتق أجزائها، مليئة بالدماء والفتاوى الظالمة، وتعبر عن واقع الوطن الممزق والمشوه. إن الدماء والقتلى تمثل ثمن الحرية والنضال ضد الخونة والظلمة. وقد استعمل الشاعر الطاووس والبقر الوحشي والعنب كرموز للحياة والجمال والألم في آن واحد. أما المهدي فيأتي في القصيدة كرمز للرجاء والعودة، لكنه أيضاً يحمل معاني الانتظار والتحدي.
توحي القصيدة بأن عمر يتذكر أماكن مختلفة من الوطن العربي، ويستحضر ماضيه وألمه. كما يعيد إلى الأذهان الصراع بين الأمل واليأس، فيتضح أن هناك ترددا بين طرفين، بين تلك الأعلام التي تمثل الهوية وبين تلك الخرق التي تمثل العار والخذلان.
ويستمر النضال والمقاومة رغم الحزن؛ لأن هناك دعوة للنهوض والاستمرار في الكفاح، ولأن الشهداء يموتون ليبقى الأحياء مستمرين في النضال. ويبقى المهدي رمزا للرجاء في التغيير والحرية. وهكذا تختتم القصيدة بدعوة ألى مواصلة الحياة النضالية رغم كل الصعاب.
من حيث اللغة والأسلوب، تستخدم القصيدة قاموسا شعريا غنيا بالصور والتشبيهات، جامعة بين الحزن والغضب، بين الحلم والواقع. والملاحظ أن التكرار في بعض العبارات يعزز الإحساس بالاستمرارية والانتظار. كما نلاحظ أن الحوار الداخلي مع عمر بنجلون يعكس الصراع النفسي بين الحزن والأمل.
في الخلاصة، تعد قصيدة “عرس المهدي” تأملا شعريا عميقا في حياة الشهيدين المهدي بنبركة وعمر بنجلون، وفي معاناة الوطن العربي، خاصة فلسطين، من خلال رموز وطنية وتاريخية. تحمل القصيدة رسالة أمل في النهوض والتغيير رغم الألم والدماء، وتؤكد على أن النضال مستمر وأن ذكرى الشهداء حية في وجدان الأمة.
ونظرا للمكانة الرفيعة التي يحتلها عمر بنجلون في وجدان المؤلف لم يكتف بما كتبه في ما سبق من صفحات، بل نجده خصص (10) صفحات لقتلته وظروف اغتياله من الصفحة (301) إلى للصفحة (310).
في الصفحة الأولى يتلقى القارئ إضاءات على شبكة معقدة من التخطيط السياسي والأمني لاغتيال عمر بنجلون، الذي كان شخصية معارضة للنظام المغربي في تلك الفترة. الاغتيال تم بتنسيق بين أجهزة المخابرات وبعض الشخصيات السياسية والدينية، مستغلة خلافات داخلية وحقد شخصي، مع إشراف مباشر من قيادات النظام وأجهزة الأمن. كما يبرز النص دور حركة الشبيبية الإسلامية والاتصالات مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في هذا السياق.
في الصفحة الموالية (302)، يصف الكاتب شبكة من الأشخاص المرتبطين بأنشطة إسلامية متطرقة في المغرب، مع تفاصيل عن عمليات اغتيال وتحريض، ومراقبة أمنية، واستغلال سياسي للسياق العام.
ومن الشخصيات المذكورة بحكم تورطها في جريمة الاغتيال، هناك النعماني، وهو شخصية مركزية في العملية، يوصف بأنه عميل مزدوج، ينحدر من إقليم الجديدة، وكان يشرف على مجموعة أو خليّة بجوار ضريح مولاي عبد الله المقار. وهناك عبد الكريم مطيع، وهو شخصية أخرى مهمة، يُقال إنه كان يشرف مباشرة على النعماني ومجموعته، وقد زارهم ليلة الاغتيال وأمرهم بقتل شخص معين. وتضم مجموعة القتلة أسماء أخرى مثل سعيد بن أحمد بن دريس، حسن جبير، وأشخاصا آخرين ينتمون إلى قبائل الشاوية، مع ورود تفاصيل عن مراقبة عمر من قبل المخابرات. وهناك أشخاص آخرون مثل أولاد سعيد خراز مصطفى، أحمد سعد، عبد المجيد خشان، وعمر أوركلام.
يظهر النعماني كشخصية محورية متهمة بالازدواجية والعمالة، وكان يعمل تحت إشراف عبد الكريم مطيع المدبر الرئيس لتلك العمليات. كما يعكس الكاتب تعقيدات الصراعات السياسية والأمنية في المغرب خلال فترة تاريخية حساسة.
كل ذلك جرى في ما بات يعرف بفترة “سنوات الرصاص” في المغرب (السبعينيات والثمانينيات)، حيث شهدت المغرب نشاطات يسارية راديكالية، صراعات سياسية، وعمليات اغتيال وملاحقات أمنية. وكان عبد الكريم مطيع شخصية معروفة في ذلك السياق، ومرتبطة بجماعات إسلامية متطرفة.
(يتبع)




