“إصغ للمديح بأُذُن واحدة فقط، وافتح عيناك للنقد”، أندري جيد André Gide، كاتب فرنسي حائز علی نوبل للآداب سنة 1947.
الناقد المحترف هو ممارس للتدقيق Audit عن طريق فحص نقدي للحالة التي أمامه.
حالة الناقد السينمائي هي كذلك، لكن بشكل مُركب لطبيعة المادة المُنتقٓدَة، إذ تتطلب تحليلًا شاملًا وموضوعيًا للحالة (أدبيا، فنيا، تقنيا، إلخ) وفقًا للمعايير المهنية، والنظريات النقدية، والمعرفة السينيفيلية والتقنيات التحريرية المعمول بها دوليا؛ تليها عملية إضفاء الطابع الذاتي المبني علی تراكم حصيلة ذائِقة فنية، وصياغة ذلك بأسلوب تواصلي منفرد يفيد أنسنة الخطاب وتميُّز الأسلوب، لتفادي الركاكة والقولبة الميكانيكية التي لا طائل منها.
هناك، بالبلدان المتقدمة مهنيا، واقتصاديا، وثقافيا ومعرفيا، يتمتع الناقد الخبير من درجة مدقق Auditeur باحترام شديد في الأوساط المهنية والصحافية، نظرا لمكانة مُهمته في إبراز الحالة/المادة المُنتقَدٓة والمُحلَّلة بأدوات التشريح التقني، قصد تقديم رأي متوازن الأركان، بعمق التحليل والنظرة الثاقبة من الزوايا غير الظاهرة لعيان العوام.
هنا، يلقی نوعا من التشويش والخندقة المبنية عن جهل، مع خلط مفاهيمي بين “النقد” و”الانتقاد”، بين مقالة الرأي المزاجي Humeur، ومقالة رأي الافتتاحية Editorial ومقالة رأي الخبير Expert. في مقابل الاعتراف المؤسساتي بمهمة المُدقِّق Auditeur (الناقد المحاسباتي)، لكن في مجال المحاسبة المالية فقط ومقابل تعويض عن أتعاب جد سخية.
لعمري، هذا المعطی التعريفي لمهمة “الناقد”، هو من مظاهر رقي المجتمعات بين جوقة الأمم، وهو من أساسيات تكوين “الرأي العام”، وتُخصَّص له منابر متعددة للإسهام في توضيح وجهة النظر في موضوع عام ما، من زاوية نقدية كثيرة الشبه بمهمة المدقق Auditeur، تمزج التَّقصي الصحفي بحِس الملاحظة علی مرجعية “الصالح العام”، في أساليب نقدية قد تصل لدرجة السُّخرية (الكاريكاتير). والنماذج الغربية كثيرة ومتعدد وضاربة في تاريخ الإعلام والصحافة.
الآن وهنا بالمغرب، اختلط الحابل بالنابل، خصوصا في تعامل المؤسات الحكومية مع موضوع “النَّقد” وليس “الانتقاد” لخدماتها وطرق اشتغالها في خددمة الصالح العام، مع عدم التمييز بين الخبر الإعلامي والتلميع الإشهاري، وين النقد البناء والانتقاد المجاني من أجل البوز، إضافة لشخصنة المواقف وما أكثرها.
وحال كتاباتي النقدية هو من نوع التدقيق المُشرِّح Audit أحيانا والمُلمِّح Allusive أحيانا أخری، غيرة مني علی ثقافة وطني، وحفاضا علی نبراس بوصلة حراك سياسي وثقافي مجتمعي عام، وخاصة صونا ورقيا بروح السينما كفن أولا وكصناعة ثانيا.
وفي حديث آخر:
ينص دستور المملكة المغربية في بابه الثاني عشر – الحكامة الجيدة – علی:
– “تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.”، الفصل 154.
تُقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم.”، الفصل 156.
– “تَكون الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة مستقلة؛ وتستفيد من دعم أجهزة الدولة؛ ويمكن للقانون أن يُحدث عند الضرورة، علاوة على المؤسسات والهيئات المذكورة بعده، هيئات أخرى للضبط والحكامة الجيدة.”، الفصل 159.
كما يقول المثل المغربي البلييييغ: “الله يعطينا لِّي يوري لينا عيوبنا”.