وجهة نظر

أبو محمد الجولاني: “التمكين” لا يمحو سيرة “الإرهاب”-إدريس عدار

    السؤال الذي لم يطرحه المشاركون في جلسة حوارية مع الجولاني ضمن أعمال منتدى الدوحة 2025 المنعقد في العاصمة القطر، هو: ماذا تحقق للسوريين بعد سنة من التغيير؟ وهل يبقى اليوم معنى للسؤال عن سيرته الإرهابية؟
سؤال السيرة الإرهابية يهم “الحقيقة” لكن لا يصنع واقعا، بعد أن تم التمكين لهيئة تحرير الشام الإرهابية من السلطة في سوريا ورفع هذه الدولة من لائحة الإرهاب، وهي اللائحة التي تم إدخالها إياها في أوج محاربتها للإرهاب، أي سنة 2012.
يتفادى الجولاني استخدام الحجج المنطقية ويلجأ إلى فن المخاصمة لأنه أسهل طريق للوصول إلى المتلقي. وفي معرض جوابه عن سؤال لصحفية بريطانية مشاركة في المنتدى عن تاريخه الإرهابي، فلم يكن بحاجة لأدلة للانفكاك من هذه الورطة، بل قلب عليها الطاولة عندما خاطبها بأن السؤال يحمل كثيرا من المغالطات، وكانت هذه أول لكمة يوجهها إليها وقد ظهر الاضطراب على نظرتها وجلستها.
وأدخلها منعطفات ومنعرجات تتعلق بمعنى الإرهاب ومفهومه، زاعما أنه لم يقتل مدني واحد في مساره الجهادي. ولأن الجولاني يجد نفسه محرجا وهو يحتل موقعا أكبر منه، يحاول استحضار الرئيس السابق بشار الأسد، إذ هو في حاجة إلى تجاوز المقارنة من خلال التركيز على “صورة سلبية” للأسد يرسمها من يقفون وراءه لخلق جو من الضبابية ركيزتها اختلاق “واقع متخيل”.
ففي بداية التمكين تم التركيز على سجن صدنايا، الخرافة التي ظهر فيما بعد أن صناعة سينمائية في مختبر “الإعلام الحربي”، وبعد أن تم كشف عوار القصة، اليوم يتم اختلاق قصة جديدة تحت عنوان “تسريبات” لأشرطة تجمع الأسد بمستشارته الإعلامية لونا شبل، وهو الجواب الذي سيتيه معه المواطن السوري حتى لا يسأل عن منجزات سنة من التغيير.
من يعرف الصناعة الإعلامية لن يحتاج إلى كبير تفكير للكشف عن الخدعة. في كتابه “عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول”، برى بيير بورديو أن التليفزيون يعيد صياغة الواقع وبنائه على تريتب المصالح المحددة، وذلك من خلال اختيار لقطات معينة، وحذف أجزاء أخرى، أو جعل زاوية التركيز على مشهد بعينه، ومن خلال ذلك تتم صياغة الحقيقة وفق أهداف سياسية أو تجارية. وفي الواقع لم يعش بورديو لحظة تجاوز التزييف للتلاعب بما هو واقعي وإعادة صياغته ولكن إلى الصناعة، خصوصا مع فورة الذكاء الاصطناعي، الذي هو في ملكية “الغباء البشري”.
الشريط المزعوم سبق بثه من قبل الإعلام السوري عبر منصات متعددة عقب تحرير “غوطة دمشق” من الإرهابيين خمس سنوات بعد انطلاق الحرب الكونية على سوريا، وفيها كلام جميل عن الجيش، ولم ينسب الأسد النصر لنفسه ولو لمرة واحدة، بل دائما نسبه للجيش العربي السوري، وكما يقال عندما المغاربة “اتبع الكذّاب إلى باب الدار” فإن تسريبا آخر أظهر جنرالا سوريا ينحني ليقبل يد الأسد وعلقت القناة التي بثته أنه مهين، رغم أن طريقة التحية تختلف من بلد لآخر ولو تنظر بشكل بسيط للبلد الذي تعمل لفائدته، غير أن في سوريا هذا الأمر غير ممكن حتى من قبل آخر جندي.
فالصورة حاليا هي أن الأسد مارس الإرهاب ضد شعبه، رغم أنه واجه الإرهابيين من 83 دولة، وأنه كان يسخر من انتصارات الجيش، مقابل الجولاني، الذي لم يمارس الإرهاب ولم يقتل مدنيا.
هناك وسائل كثيرة للتأكد من أن التسريبات مفبركة للغاية بالنظر لوجود الفيديوهات الأصلية في المتناول، وبغض النظر عن صدقها من عدمه، فالسؤال يطرح على من يسيطر على الوضع اليوم وأي نتيجة جاءت بها “الثورة” كما يزعمون.
هل بإمكان “التمكين” أن يمحو صورة الجولاني الإرهابي؟ وإذا استطاعت صالونات تدوير “الإرهابيين” رسم صورة جديدة وتنزع عنه لباس الجهادي وتلبسه بدلة بربطة عنق، فإن السيرة لن تسمح لهم بذلك، وتبقى الوثيقة والشهادة كأحد أهم مصادر المعرفة دليل على أنه لا يمكن تزوير التاريخ.
سبق للجولاني أن أقر ذات مرة قبل تمكينه من السلطة أن ما فعله في السابق هو “طيش شباب”. لكنه اليوم ينكر كل شيء. وكيف له ذلك وهو يشهد على نفسه بأنه إرهابي؟
يوم فاتح فبراير من سنة 2015 تبنت جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة بسوريا)، بقيادة أبو محمد الجولاني، تفجير حافلة كانت تقل سياحا لبنانيين في اليوم نفسه أمام قلعة دمشق، بالقرب من مدخل سوق الحميدية بمنطقة الكلاسة وسط العاصمة، مما أسفر عن مقتل وجرح العشرات، وفق بيان للجبهة.
البيان الذي نشره موقع “شموخ الإسلام”، الذي كان ناشطا حينها وينشر بيانات الجماعات الإرهابية، وبثته قناة الجزيرة، وقالت فيه الجبهة “إن أحد عناصرها تمكن من الدخول إلى الحافلة وتفجير حزامه الناسف داخلها، حيث اعترف النظام السوري بمقتل ستة من الركاب وجرح العشرات”، معتبرا أن العملية جاءت “ثأرا لإخواننا أهل السنة في سوريا ولبنان، وليعلم حزب. الله أن اعتداءاته على إخواننا لن تمر”.
وفي يوم 12 مارس من سنة 2017، وكانت جبهة النصرة، التي تحولت إلى فتح الشام، أصبحت تحمل اسم “هيئة تحرير الشام”، أعلنت في بيان لها عن تفجيرين استهدفا زوارا شيعة في وسط دمشق.
وجاء في البيان أنه “يوم السبت..نفذ بطلان من أبطال الإسلام تفجيرا مزدوجا…في وسط العاصمة دمشق، قتل فيهما وأصيب العشرات”.
التفجيران وقعا في مدخل مقبرة باب الصغير جنوبي العاصمة السورية دمشق، بينما كانت حافلات تقل الزوار إلى أضرحة شيعية في المنطقة.
البيان الأول يحمل توقيع جبهة النصرة، وأميرها الجولاني، والبيان الثاني يحمل توقيع هيئة تحرير الشام، واميرها الجولاني.
هناك عشرات البيانات وعشرات العمليات، التي تبنتها المنظمة الإرهابية التي تزعمها الجولاني، ولم يكن هذا الجهادي يتورع في الدماء، وفي حواره مع أحمد منصور على قناة الجزيرة تحدث عن مرحلتي “الصائل” و”التمكين” مؤكدا أنه في المرحلة الثانية سيعمد إلى محاربة المدنيين من الطوائف التي أخرجها من الإسلام، ولا نستبعد أن المذابح التي ارتكبها بعد “التمكين” في حق العلويين والدروز تدخل في هذا السياق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى