مدخل
بعد سنة من الحراك الشعبي السلمي لحركة 20 فبراير و بعد المتغيرات السياسية التي حصلت خلال هاته الفترة من دستور جديد في زي سابقيه و حكومة جديدة لا صلاحية لها كسابقاتها ، سوى أنها بقيادة اسلامويين كما حصل في تونس و مصر . ثم ابتعاد جماعة العدل و الاحسان رسميا عن الحراك الشبي و التي كانت تشكل احدى دعاماته من جانبه التعبوي المنظم .
قلنا ، بعد سنة كاملة من العطاء و الدعم وجب معالجة المسار الذي تسير عليه الحركة ، حتى يتسنى لنا فهم سيرورتها و تطور معالمها ، علما أن النظام كما هو معهود يلعب على عدة حبال يتقنها ، من المراوغة و الاحتواء لربح الوقت الى الالتفاف على الانتفاضة السلمية ثم بعد اعتماد القمع المباشر، جزئيا في البداية ، فعامّا عند ضعف الضغط الشعبي . أول عامل يوضفه النظام ، هو عامل الوقت ، ذلك أن أية حركة احتجاجية مهما بلغت قوتها ، ما لم تتحول الى مستوى الانفجار الثوري لمجابهة النظام القائم و الاطاحة به ، فانها لن تستمر بذلك الزخم الذي انطلقت به . و هذا أمر طبيعي في دينامية الحركات الاحتجاجية . غير أننا في المغرب نتصور أنفسنا خارج عجلة التاريخ و أن خصوصياتنا لا تخضع لقوانين تطور الصراع الاجتماعي للشعوب . انها نوع من الشوفينية البئيسة التي يلزم التعالي الواعي عنها .
أما العامل الثاني الذي يوضفه النظام لاستمرار نفوذه المطلق ، فهو تقليم و ارباك مكونات المعارضين له عضوا بعد عضو ، امّا ككيانات ، كما فعل بمجموعة العدل و الاحسان ، أو ككيانات حرّة في مناطقها كما حصل في صفرو ، اخنيفرة ، أسفي ، اخريبكة ، طنجة ، تازة و أخيرا بوعياش . فهو لا يعمم القمع في البداية بل يركزه على البؤر الحية ليعمّمه فيما بعد على مجموع مكونات الحركة و من يساندها و يدعّمها . و هكذا عوض ضرب جدع سنديانة الاسرار و العصيان فانه لا يبدأ بالجدع العاصي عليه و الذي بوسعه تكسير أداة تسلطله المتمثلة في أداته القمعية ، بل يلجأ ، في خداعه ، الى تقليم سنديانة الصمود فرعا بعد فرع الى حين القضاء على الانتفاضة باجتثات جدورها ، مما يجعل الجدع يموت لتوه . أنها سيرة النظام المخزني في التعاطي مع مناوئيه أفرادا كانوا أم جماعات .
من هذا يتضح أن العامل الزمني له كل الأهمية و الوقت كما يقال ، سيف ان لم تقطعه قطعك . و نحن نلاحظ أن النظام يستعمل العامل الزمني بدقة و لصالحه ، على عكس ذلك ، نجد حركة 20 فبراير و القوى المؤيدة لها لا تبالي لهذا العامل و أصبحت بذلك ديلية لمبادرات النظام ، غير ماكانت عليه في بداية انطلاق الحراك . يقولون الحرب خدعة و القوة التي لها القدرة على أخد المبادرة ، لهذا من المعقول اذا فطن الخصم لمباغثتك له و تهيأ للهجوم ما عليك سوى تغيير الاستراتيجية و هذا ما لم يعد في مقدور الحركة ، و هذا أيضا، ما يلزم التفكير فيه جليا . ما هي المعادلة المطروحة أمامنا الآن ؟ النظام استغل العامل الزمني و و ضفه ليتمكن من أخد زمام المبادرة السياسية عن طريق وضع دستور جديد و برلمان جديد و حكومة جديدة و ابعاد جماعة العدل و الاحسان عن مساندة القوة التي وضعت شرعيتة في كفة ميزان . في الطرف الآخر للمعادلة لا زالت العملية التحررية السلمية تسير على نفس المنوال ، حراك شعبي مستمر و كفاح بلا هوادة ، غير أن هدا العطاء و هدا النضال الشعبي السلمي أصبح يكب في طاحونة تمكن النظام السيطرة عليها .
بطبيعة الحال هناك مستويين في أخد المسؤولية التاريخية . أما التظاهر بالمسؤولية ، عن وعي أو عدم وعي ، و هذا يخص القوى المؤيدة و المساندة للحراك الشعبي السلمي و أخد مواقف تدين أشد ما يمكن الادانة للطابع القمعي مع مساندة الحراك الشعبي السلمي. و امّا طرح الأمور بكل صراحة و في حقيقتها و التي لا ترضى بالمجاملة و المتجسدة كون المرحلة المنصرمة قد أدت مهمتها و أننا أمام مرحلة جديدة لا ينفع فيها سوى التصعيد بشكل أرقى مما حصل لحد الآن . و الاّ أصبحت حركة 20 فبراير في مضمار كان ، و هي بذا لم ترتقي الى ما حققته انتفاضة مارس 1965 المجيدة التي كانت عبارة عن تجاوز المنظور الاصلاحي لأحزاب الحركة الوطنية و التي ، أي انتفاضة مارس 1965 ، دشنت مرحلة جديد في المسار السياسي المغربي حيث نظت نفسها بداية سبعينات القرن الفائت في تنظيمات ثورة تهدف الاطاحة بالنظام المخزني عن طريق الثورة الشعبية المتبنية للعنف الشعبي . و ما يعترف به التاريخ اليوم ، هو أن تلك التنظيمات الثورة المنبثقة عن انتفاضة مارس 1965 ، قد صمدت في وجه النظام سنوات الرصاص وأنها فرضت عليه الهوامش الديمقراطيّة الموجودة اليوم . لكن الغريب في الأمر أن حركة 20 فبراير لم تحقق ليومنا هذا أي تنازل للنظام. و السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حصل هذا ، رغم الاستشهادات و رغم التضحيات و رغم الصمود ؟ هنا بيت القصيد و هنا يلزم فتح النقاش الصادق و الصريح .
بداية، ألا يحق تعريف ماهية الحركة لتحديد أبعادها ؟ هل الحركة تنظيم سياسي و بالتالي تهدف الى السلطة أم حركة اجتماعية لها مطالب سياسية لكن لم تعطي لنفسها الوسائل التنظيمية الكفيلة لتحقيق أهدافها ؟ بما أننا لا نعيش في حضن المدينة الفاضلة و أنه لم تكن هناك أداة سياسية منسجمة لتشكل رافعة العناد الشعبي في مواجهة النظام المستبد بالسلطة . لذا رغم التضحيات الجسام لم يتم القضاء على النظام المخزني الذي لا يعرف سوى العنف في آخر المطاف لأنه مبني على الاستبداد .
أمام الوضع الذى يواجهنا بقساوة ، هل يحق للقوى المساندة و المؤيدة لحركة 20 فبراير البقاء في زاوية المشاهد المباشر أم حان الوقت لاندامجها بشكل مباشر في تبني و أخد مكانها في صف المواجهة بشكل واضح و أكيد ؟ بعد سنة من الصمود العفوي لذى الجماهير الشعبية عبر حركته 20 فبراير وجب الآن و بلا هوادة أن تتحمل مجمل القوى الديمقراطية ، سياسية و نقابية و جمعوية موقفا واضحا و صريحا في بناء القطب الديمقراطي الرافض لملابسات و تلاعبات النظام و دلك عبر سيرورة العصيان المدني المنظم . كيف يمكن لذلك أن يقوم و يكون العمود الفقري للعصيان الشعبي الشامل ؟
أولا بعقد مناظرة عامة لكل القوى السياسية والمدنية النقابية منها و المجمعوية ، يتم اثرها تشكيل مجلس عام يكون بمثابة برلمان الشعب و عنه يتم تعين لجة تنسيقية أي حكومة ، ممثلة لكل الفصائل و المكونات لتطبيق الارادة الشعبية كما يحددها المجلس العام . و الاستراتيجية التي يلزم اتباعها هي التى سطرتها حركة 20 فبراير أي الانتفاضة الشعبية السلمية ، الا أنه في المرحلة الحالية ستأخد طابع العصيان المدني الشامل و هذا يعني تنظيم الجماهير الشعبية في كل مكان تواجدها مع ضمان سلامتها المعنوية و المادية . أي خلق أدوات تعوض أدوات الدولة المخزنية التى لا توفر السلامه لكل المواطنين و لا تمكن لهم العيش الكريم . كيف يمكن القضاء على الاستبداد و الفساد عبر العصان المدني هو موضوع البحث الذي لا يقبل التأجيل ، و الذي سنوضف من أجله جهدنا الفكري مع باقي الأحرار .
يتبع
محمد المباركي
10 مارس 2012