الجاذبية الأرضية والنعمة الإلهية: المعيارية التربوية خارج نطاق الحكم (الجزء الأول)

ترجمة: أحمد رباص
تستكشف هذه الدراسة التي أعدها جوريس فليغ دور الأخلاق في التربية من منظور ما بعد نقدي، مستخدمةً لوحة “يوم القيامة” للفنان الهولندي روجير فان دير فايدن كموضوع محوري. وتقارن بين القراءات النقدية وما بعد النقدية للعمل الفني، داعيةً إلى تبني الأخيرة للكشف عن إمكاناته الأخلاقية والتعليمية. ويشير التحليل إلى أن التعليم، بطبيعته المعيارية، لا ينبغي أن يتضمن حكماً نهائياً، بل أن يعزز عملية التحول. وتؤكد المقاربة ما بعد النقدية على الثقة في القيمة التعليمية للمنتجات الثقافية، متجاوزة التبسيط المفرط. واستلهاماً من أعمال كلاوس مولينهاور، تستخدم الدراسة المنتجات الثقافية لاقتراح رؤى تعليمية جديدة. ويرمز تصوير اللوحة لشخصيات بشرية تقاوم الجاذبية إلى الصراع بين النعمة والجاذبية، مما يعكس مفاهيم سيمون ويل. وفي النهاية، يدعو النص إلى معيارية تربوية كامنة تعزز التحول الذاتي وتقاوم الهويات الثابتة، مقدمةً بديلاً ذا مغزى لنماذج التربية التقليدية القائمة على الأحكام.
مقدمة
توضح هذه المساهمة دور الأخلاق في التربية من منظور ما بعد نقدي. نستعمل في نفس الوقت مقاربة منهجية تتطلع إلى أن تكون مابعد نقدية من البداية إلى النهاية. إن جوهر الحجة الذي تم تطويره يرتبط بالتحليل التربوي للوحة فنية مهمة في تاريخ الفن الغربي والتي تتخذ من الحكم تيمة مركزية: “يوم القيامة لروجير فان دير فايدن، التي جرى رسمها من أجل فندق الله (Hôtel-Dieu) في المدينة الفرنسية بون Beaune) (1443-1451)). أقترح معارضة قراة نقدية بقراءة ما بعد نقدية لهذا العمل الفني، منتصرا للقراءة الثانية، من أجل النهل من الزخم الأخلاقي والتربوي لهذه اللوحة. الأطروحة الأساسية التي أدافع عنها هي أن الرسم يساعدنا في تصور التربية على أنها ظاهرة معيارية لا محالة، تتضمن دائمًا فكرة عن الحياة الإضافية المرغوبة لطلبتنا، لكن بطريقة لا تقتضي حكما نهائيا.
في الجزء الأول، أميز بين المقاربة النقدية، التي تركز على تبسيط المفاهيم الثقافية، والمقاربة ما بعد النقدية، التي يُعلي من شأن إمكاناتها التربوية. وأدافع عن المقاربة الثانية، المستوحاة من كلاوس مولنهاور، بهدف تجديد فهمنا للتربية. ثم أحلل لوحة فان دير فايدن لأكشف عن توتر بين ما أسميه “الجاذبية” و”النعمة”، وهما مفهومان مستوحيان من سيمون ويل. يتعلق هذا التناقض بالصراع بين الانغلاق ضمن هويات ثابتة وإمكانية التحول الذاتي. بعد ذلك، أقترح إعادة تأويل مشهد “يوم القيامة” ليس كمحكمة متعالية، بل كاستعارة تربوية جوهرية، أي يصبح فيها باب الفردوس هو باب المدرسة، هو منطلق بداية جديدة. أخيرًا، بالاستناد إلى أفكار ويل وجورجيو أغامبين، أدافع عن معيارية تربوية كامنة، لا تقوم على الحكم، بل على القدرة على الارتقاء فوق الذات وعيش حياة أكثر حرية واجتهادًا.
1. من الشك النقدي إلى الثقة ما بعد النقدية في الزخم التربوي للمنتجات الثقافية
سأبدأ بتوضيح المقاربة التي أنوي اتباعها في هذه المساهمة، ولماذا هي مناسبة للبحث ما بعد النقدي في مجال التربية. من السمات الأساسية للموقف النقدي أنه لا يأخذ الأمور على ظاهرها. ينطوي الموقف النقدي أساسًا على الشك وإزالة الغموض (هودجسون وآخرون، 2018). يتعلق الأمر دائمًا بإظهار أننا لا نتوهم فقط عندما نعد الأمور التي نعتبرها قيّمة في حياتنا أمرًا مفروغًا منه، بل إننا بذلك نساهم في شكل من أشكال القمع والعنف، نمارسه على أنفسنا و/أو على الآخرين. لذلك، نحتاج إلى إضاءة نقدية لنرى إلى أي مدى تحتوي الممارسات والمنتجات التي اعتمدنا عليها دون تفكير على رسائل خفية، وتبقينا، دون وعي، عالقين في نظام اجتماعي ظالم وقمعي.
تقدم الوسيلة التي أعتزم الاشتغال عليها في هذا النص مثالًا ملموسًا. نحن، كمعلمين للفنون، على سبيل المثال، قد نكون متعلقين بشكل خاص بلوحة فان دير فايدن، معتبرينها تحفة فنية رائعة أو عملاً هاماً ومحورياً في تاريخ الرسم الأوروبي. ونتيجة لذلك، نرغب في نقلها إلى الجيل القادم والشهادة على جمالها ورقيها وتعقيدها وتفردها – بالطريقة التي وصفت بها حنة أرندت (1961، ص: 173-196) جوهر التربية. ومع ذلك، فإن دعوتنا الحماسية، وربما الشغوفة، لدراسة هذه التحفة الفنية قد تحجب عنا العنف الرمزي الذي قد يولده هذا المسعى حسن النية. فدون أن ندرك ذلك، نفرض نحن، كمعلمين، على طلابنا فكرة وجود فروق جوهرية بين، من جهة، القطع الأثرية الثقافية القيّمة حقاً التي لا يمكن تقديرها إلا بعد تنمية الذوق الرفيع، ومن جهة أخرى، المنتجات الرديئة التي تتناسب مع ذوق الطبقات الدنيا وغير المتعلمة (بورديو وباسيرون، 1964). وهكذا، لا يُسمح لجماعات كبيرة من الناس بالتعبير عما يجدونه مُرضيًا من الناحية الجمالية، والأسوأ من ذلك، أنهم يُستبعدون، في غياب الذوق الرفيع، من المناصب الاجتماعية التي من شأنها أن تجلب لهم الرخاء.
وبذلك، تسهم الترببة الجمالية التقليدية في إعادة إنتاج عدم المساواة والعنف، ويقع على عاتق المُربي النقدي (وخاصةً من يُزيل الغموض باستمرار وبشكل متماسك ولا يأخذ أي شيء على ظاهره) مهمة توعية الناس بهذا الأمر، بدلًا من ترسيخ أفكار عفا عليها الزمن حول “الروائع العظيمة” في نفسه وتلاميذه (انظر فليغه وزاموجسكي، 2020).
لا يسعى المنظور ما بعد النقدي إلى دحض تحليل بورديو المُطور في الفقرة السابقة، بل يهدف إلى القيام بشيء مختلف تمامًا، موازٍ للمنظور النقدي، وهو منظور لا يقل عنه وجاهة. تكمن المشكلة الرئيسية في وجهة النظر النقدية في أن لعبة إزالة الغموض هذه يُمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، مما يؤدي في النهاية إلى موقف ساخر مفاده أن أي شيء نفعله لا يُحدث فرقًا. على النقيض من ذلك، ينطلق المنظور ما بعد النقدي من الثقة، ويفترض أن الممارسات والمنتجات الثقافية التي نعتبرها قيّمة يمكن أن تؤثر في حياتنا، إذا كنا على استعداد لتجاوز الضرورة المُسبقة والمُطلقة التي تُحتّم علينا تبسيط كل شيء مهما كلف الأمر. إنه موقف إيجابي تمامًا، إذ يتعامل مع الأمور كما هي، ويسعى إلى توظيفها تربويًا بشكلٍ هادف، كما في هذه الحالة، من خلال دراسة لوحة فان دير فايدن بهدف تقديم أفكار جديدة لمعالجة المسائل الفلسفية المتعلقة بالتربية.
ما أعتزم القيام به في هذه المساهمة مستوحى بشكل كبير من أعمال كلاوس مولنهاور (1986) المتأخرة. يُمكن اعتبار هذا الرجل مفكرًا ما بعد نقدي سابقًا لعصره. اشتهر مولنهاور باستخدامه شتى أنواع القطع الأثرية الثقافية لتقديم أفكار جديدة حول مسائل جوهرية في النظرية التربوية. يصف مولنهاور هذه “المنهجية” بأنها “علم التربية المتعمق”: دراسة معنى الظواهر التربوية من خلال “الالتفافات”، أي الدراسة المتأنية للقطع الأثرية الثقافية المهمة بهدف الوصول إلى فهم جديد، وأحيانًا مفاجئ، للموضوع المُمثَّل. وهكذا، تُساعدنا دراسة قطعة أثرية تاريخية غير مألوفة على تجاوز مسارات التفكير التقليدية. ومن الجدير بالذكر، كما يُوضح باس ليفرينغ، أن هذا النهج النظري لا يقتصر على توضيح فكرة مجردة من خلال مثال تاريخي ملموس، بل يتعداه إلى استخدام “المنتجات الفنية كمصادر بحثية في حد ذاتها”. […] لم يكن هدف مولنهاور الرئيسي هو اكتشاف كيف جرت الأمور في الماضي. كان هدفه الرئيسي البحث عن إجابات معاصرة لأسئلة تربوية قديمة من خلال استكشاف الماضي” (ليفرينغ، 2014، ص 55).
فعلى سبيل المثال، لدعم فكرة أن التربية لا يمكن فهمها كمقولة تقنية للنشاط البشري – أي كتدخل سببي في حياة الشباب يهدف إلى تحقيق أفضل النتائج بأكبر قدر من الكفاءة – يبدأ مولينهاور كتابه “الروابط المنسية” [2014] بعرض رسالة فرانز كافكا الشهيرة والمؤثرة والمأساوية إلى والده. يُظهر هذا النموذج الأدبي عن التربية الفاشلة أن التربية في جوهره لقاء بين الأجيال، حيث تكون استمرارا لما يعتبره الجيل الأكبر سنًا ثمينًا على المحك – وهو لقاء، بحكم تعريفه، قد يؤول إلى الفشل. في الكتاب نفسه، يولي مولينهاور اهتمامًا كبيرًا للتفسيرات المحتملة للوحة “لاس مينيناس” لفيلسكيز، وهي لوحة معروفة بغموضها نظرًا لتعدد طبقاتها والمنظورات المستخدمة. إنها لوحة عن الرسم تُزعزع اليقين الذي يُوفره المنظور عادةً في الرسم التقليدي، على سبيل المثال، لأنه من المستحيل معرفة ما إذا كان الرسام المصوّر في هذه اللوحة ينظر إلى الزوجين الملكيين، خارج الإطار، أم إلينا نحن مشاهدي اللوحة – وهي نقطة يُؤكد عليها ميشيل فوكو (1966) أيضًا في كتابه “نظام الأشياء”.
في تفسيره للوحة “لاس مينيناس”، سعى مولينهاور إلى إيجاد لغة للتعبير عن المفارقات الكامنة في المجهود التربوي الحديث لجعل العالم حاضرًا للوافدين الجدد من خلال تقديمه بالضرورة بطريقة تمثيلية – أي من خلال انتقاء الأشياء والأحداث في هذا العالم. فالتربية ليست مسألة نقل المعرفة بشكل قاطع ومباشر، بل هي عملية تنشئة تاريخية وثقافية تتكشف بشكل غير مباشر، وأحيانًا بشكل موحٍ، ولا يمكن السيطرة عليها بشكل كامل.
وفوق كل ذلك، وهنا تصبح مقاربته “ما بعد نقدية” مثمرة بشكل خاص، لا يقول مولينهاور ببساطة إن لوحة كهذه لها قيمة عظيمة. لا تزال لوحة “لاس مينيناس” تحمل قيمة كبيرة، ولديها ما تخبرنا به. كما أنها تظهر بطرق غير متوقعة. فمن خلال تحليله، تكتسب اللوحة أهمية تربوية عميقة، وتُصنّف كـ”وثيقة تربوية” (فليغي وستورم، 2015). في هذه المساهمة، أودّ القيام بدراسة مماثلة باستخدام لوحة “يوم القيامة” لفان دير فايدن. ما أودّ توضيحه هو أن دراسة متأنية لهذه اللوحة الضخمة متعددة الأجزاء يمكن أن تكشفها في ضوء جديد، وبشكل أكثر تحديدًا، أن هذه الدراسة تساعدنا على تصور أخلاقيات تربوية ما بعد نقدية.
[في هذا المرحلة من البحث، أنصح القارئ، إن لم يكن قد فعل ذلك بالفعل، أن يخصص وقتًا كافيًا لإلقاء نظرة فاحصة على لوحة فان دير فايدن، ودراستها والتأمل فيها بعناية. تتوفر صور لهذا العمل بسهولة على الإنترنت. علاوة على ذلك، أوصي بشدة بمشاهدة العمل في موقعه الأصلي.]
(يتبع)
——————————–
المرجع: https://www.erudit.org/fr/revues/ethiqueedufor/2025-n19-ethiqueedufor010721/1124494ar/
المرجع:




