افتتاحية

رئاسة الحكومة بعد تشريعيات 2026.. سباق مفتوح بين زعماء الأحزاب والتكنوقراط ورجال الظل

هذا المقال ليس نسخ حرفي كامل لملف Jeune Afrique(3162-3163 ) Juillet Aout 2026، تشريعيات 2026: من يريد رئاسة الحكومة بعد أخنوش؟ هو مقال صحفي عربي تحليلي ومعاد الصياغة، مع الحفاظ على الأفكار الأساسية الواردة في الملف.

الحنبلي عزيز 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود سؤال رئاسة الحكومة إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب. فالأمر لا يتعلق فقط بمن سيحصل على المرتبة الأولى في صناديق الاقتراع، بل بمن يمتلك القدرة السياسية والمؤسساتية والشخصية على قيادة مرحلة حكومية جديدة قد تعيد تشكيل التوازنات داخل المشهد الحزبي المغربي.

ينطلق هذا النقاش من قاعدة دستورية واضحة، إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. غير أن هذا المقتضى لا يلغي هامش القراءة السياسية والمؤسساتية، خاصة في ظل الفصل 42 الذي يجعل الملك رئيس الدولة وضامن دوامها واستمرارها. لذلك، فإن سؤال “من سيفوز؟” لا ينفصل عن سؤال آخر أكثر حساسية: “من يستطيع فعلا أن يحكم؟”.

معادلة ما بعد الاقتراع: الفوز لا يكفي

في التجارب السياسية المغربية، لا يكفي أن يكون الحزب متصدرا للانتخابات حتى يضمن بشكل آلي أن يقود حكومته بالشخصية التي يريدها. فالسياسة المغربية تقوم على توازنات دقيقة بين الشرعية الانتخابية، الثقة المؤسساتية، القدرة على بناء التحالفات، التحكم في الملفات الكبرى، والقبول داخل مراكز القرار.

من هنا، تبدو انتخابات 2026 محطة مفتوحة على عدة سيناريوهات. فهناك شخصيات حزبية تمتلك قاعدة انتخابية وتنظيمية واضحة، وأخرى تملك الكفاءة التقنية والخبرة الحكومية، وثالثة تحظى بقبول شعبي أو بصورة قوية لدى الرأي العام، لكنها لا تتوفر بالضرورة على سند حزبي مباشر. وبين هذه المستويات الثلاثة، يتشكل سباق غير معلن نحو رئاسة الحكومة.

نزار بركة.. رجل الدولة الهادئ داخل حزب الاستقلال

يظهر نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، كأحد الأسماء الطبيعية المطروحة في هذا السياق. فهو يمثل، من جهة، صورة السياسي الهادئ القادم من مدرسة الدولة والإدارة، ومن جهة أخرى يقود حزبا تاريخيا يمتلك امتدادا انتخابيا وتنظيميا مهما.

يستفيد بركة من تجربته السابقة كوزير للاقتصاد والمالية، ومن رئاسته السابقة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فضلا عن موقعه الحالي على رأس حزب الاستقلال. هذه العناصر تمنحه صورة الرجل المتمرس، القادر على مخاطبة المؤسسات والأسواق والنخب الإدارية والسياسية.

لكن نقطة ضعفه الأساسية تكمن في محدودية الكاريزما السياسية. فهو رجل توازن أكثر منه رجل تعبئة شعبية. كما أن أسلوبه الهادئ، وإن كان يمنحه ثقة لدى جزء من النخب، قد يجعله أقل قدرة على فرض نفسه في لحظات الصراع السياسي الحاد. لذلك، يبقى بركة مرشحا قويا إذا كانت المرحلة المقبلة تبحث عن الاستقرار والتدبير الهادئ، لكنه قد يواجه صعوبات إذا تطلبت المرحلة شخصية أكثر صدامية أو أكثر قدرة على صناعة خطاب تعبوي.

التجمع الوطني للأحرار.. بين استمرار أخنوش وصعود محمد شوكي

داخل التجمع الوطني للأحرار، يطرح اسم محمد شوكي باعتباره أحد الوجوه الصاعدة بسرعة في المشهد السياسي المغربي. فقد انتقل في سنوات قليلة من موقع أقل حضورا إلى موقع متقدم داخل الحزب، مستفيدا من شبكة تنظيمية قوية ومن موقعه داخل قيادة الحزب.

يمثل شوكي ، وفق القراءة التي يقدمها الملف، جيلا جديدا داخل الأحرار، جيلا يحاول الجمع بين العمل الحزبي، التنظيم الانتخابي، والتموقع داخل آلة حزبية قوية ورثت كثيرا من نفوذها خلال تجربة عزيز أخنوش الحكومية.

لكن صعوده لا يعني بالضرورة أنه أصبح رقما مستقلا داخل المعادلة. فقربه من أخنوش قد يكون مصدر قوة وضعف في الوقت نفسه. فهو يستفيد من إرث تنظيمي ومالي وانتخابي قوي، لكنه قد يظهر في نظر خصومه كامتداد لمرحلة أخنوش وليس كزعيم جديد بنى شرعيته الخاصة.

أما عزيز أخنوش نفسه، فرغم أنه لا يزال فاعلا مركزيا داخل المشهد الحزبي، فإن سؤال الاستمرار أو الانسحاب أو إعادة التموقع يظل مطروحا. فإذا قرر البقاء في الواجهة، فإن ذلك سيؤثر مباشرة على فرص أي شخصية أخرى داخل الحزب.

الأصالة والمعاصرة.. قوة حزبية بلا زعيم حاسم

يحتل حزب الأصالة والمعاصرة موقعا مهما في أي معادلة حكومية مقبلة، لكنه يواجه معضلة أساسية: قوة التنظيم لا تقابلها بالضرورة زعامة واضحة ومجمَع عليها.

تظهر فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كأحد الوجوه البارزة داخل الحزب. فهي من الشخصيات النسائية القليلة التي تطرح أسماؤها في نقاش رئاسة الحكومة، كما أنها تمتلك تجربة محلية وحكومية مهمة. غير أن الملفات المرتبطة بالعقار في مراكش، وما تثيره من تساؤلات حول العلاقة بين السلطة المحلية، المصالح الخاصة والتدبير urbanistique، قد تشكل نقطة ضعف سياسية بالنسبة إليها، سواء انتهت تلك الملفات إلى مسارات قضائية أم لا.

إلى جانبها، يبرز اسم مهدي بنسعيد، وزير الثقافة، باعتباره وجها شابا وطموحا، يتميز بحضور إعلامي قوي وقدرة واضحة على التواصل. يمثل بنسعيد صورة التجديد الجيلي داخل حزب ظل طويلا يبحث عن قائد سياسي جامع. غير أن نشاطه في مجالات الأعمال والرياضة والإنتاج السمعي البصري يثير بدوره تساؤلات حول الحدود بين السياسة والمصالح الخاصة.

أما يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، فيبدو من أكثر وجوه PAM صعودا منذ 2021. فهو يجمع بين التكوين التقني، الخبرة في التفاوض، معرفة دواليب الدولة، والقدرة على مخاطبة النقابات والمؤسسات الدولية. وقد ساعده ملف الشغل والحوار الاجتماعي والتقاعد والقانون التنظيمي للإضراب على بناء صورة رجل سياسي يعرف كيف يحول الملفات الاجتماعية إلى رأسمال سياسي. ومع ذلك، تبقى محدودية شهرته الواسعة، إضافة إلى التوازنات الداخلية للحزب، من العوائق المحتملة أمامه.

نادية فتاح العلوي.. التكنوقراطية التي اكتسبت ثقلا سياسيا

تظهر نادية فتاح العلوي كإحدى الشخصيات الأكثر جدية في النقاش حول رئاسة الحكومة. فهي ليست زعيمة حزبية تقليدية، لكنها تمتلك ما يبحث عنه كثيرون: المصداقية، التجربة، القبول الدولي، والقدرة على تدبير الملفات المالية والاقتصادية.

قبل دخولها الحكومة، راكمت تجربة في عالم الأعمال والتدبير، قبل أن تصبح وزيرة للسياحة ثم وزيرة للاقتصاد والمالية. ومنذ 2021، وجدت نفسها في قلب الملفات الصعبة: المالية العمومية، الإصلاحات الاقتصادية، العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، الاستثمارات، والقدرة على طمأنة الشركاء الخارجيين.

في العواصم المالية الكبرى، من واشنطن إلى باريس وبروكسل والرياض، تحظى صورتها بالاحترام. وهذا يمنحها ميزة لا تتوفر دائما لدى السياسيين الحزبيين. لكنها، في المقابل، لا تزال تفتقد إلى التجذر الحزبي العميق. فهي قادرة على إدارة الملفات، لكنها ليست بالضرورة محترفة في مناورات الأحزاب وتحالفاتها. وهنا يكمن السؤال: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى تكنوقراطية قوية أم إلى زعيم حزبي قادر على ضبط البرلمان والأغلبية؟

عبد الإله بنكيران.. الزعيم الذي يرفض مغادرة المسرح

في الجهة الأخرى من المشهد، يظل عبد الإله بنكيران اسما حاضرا بقوة رغم الهزيمة التاريخية التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية في 2021. فهو لا يزال يمتلك قدرة خطابية كبيرة وقاعدة متحمسة داخل جزء من المجتمع السياسي المغربي.

بنكيران يمثل نوعا خاصا من الزعامة: زعيم قادر على إشعال القاعات، إثارة الانفعالات، تعبئة الأنصار، وصناعة خطاب شعبوي قريب من فئات واسعة. لكنه في الوقت ذاته يصطدم بتحولات اجتماعية وسياسية عميقة. فمغرب 2026 ليس مغرب 2011. جيل جديد من الشباب يتشكل خارج القنوات الحزبية التقليدية، ويتابع السياسة عبر الشبكات الاجتماعية، ويهتم أكثر بقضايا التشغيل، السكن، التعليم، الحريات، والكرامة اليومية.

لذلك، فإن بنكيران قد يظل قويا رمزيا وخطابيا، لكنه يواجه صعوبة في التحول مرة أخرى إلى خيار حكومي واقعي، خاصة إذا لم يستطع حزبه استعادة وزن انتخابي كبير.

اليسار المغربي.. أسماء حاضرة ووزن انتخابي محدود

داخل اليسار، تبرز أسماء مثل نبيل بنعبد الله، إدريس لشكر ونبيلة منيب. لكل واحد منهم رأسمال سياسي خاص، لكنه يصطدم بحدود الوزن الانتخابي.

نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، يمتلك تجربة طويلة، ثقافة سياسية واضحة، وقدرة على قراءة التحولات. لكنه يقود حزبا لم يعد يمتلك القوة الانتخابية التي تسمح له، بمفرده، بالمطالبة بقيادة الحكومة.

إدريس لشكر، زعيم الاتحاد الاشتراكي، يمثل أحد آخر وجوه السياسة المغربية التقليدية، بما تحمله من ذاكرة تنظيمية ونقابية وانتخابية. غير أن الحزب نفسه يعيش منذ سنوات أزمة هوية وتمثيل، جعلت جزءا من الرأي العام ينظر إليه باعتباره حزبا فقد الكثير من وهجه التاريخي.

أما نبيلة منيب، فهي تمثل صوتا يساريا نقديا، راديكاليا، صريحا، ومتمسكا بخطاب الاحتجاج والمعارضة. حضورها الرمزي قوي، لكنها لا تمتلك آلة انتخابية تسمح لها بالتحول إلى مرشحة فعلية لرئاسة الحكومة. قوتها تكمن في الموقف، لا في القدرة على بناء أغلبية.

أسماء يحبها الرأي العام.. لكن السياسة ليست استطلاعا شعبيا

من بين الأسماء التي تحظى بصورة إيجابية لدى الرأي العام، يبرز فوزي لقجع، مصطفى التراب وعبد الوافي لفتيت. هذه أسماء لا تنتمي بالضرورة إلى منطق الزعامة الحزبية، لكنها ترتبط في المخيال العام بالكفاءة، الإنجاز، والتدبير العملي.

فوزي لقجع يحظى بشعبية واسعة بفعل نجاحات كرة القدم المغربية، وبفضل موقعه في ملفات مالية ورياضية حساسة. اسمه يتردد كثيرا عندما يُطرح سؤال: من يمكنه قيادة الحكومة؟ لكنه لم يقد حزبا سياسيا، ولم يخض تجربة انتخابية حزبية مباشرة. قوته في التدبير والنتائج، وضعفه في غياب المسار الحزبي التقليدي.

مصطفى التراب يمثل صورة المدير الاستراتيجي المرتبط بالمؤسسات الاقتصادية الكبرى. تجربته على رأس OCP تمنحه صورة رجل قادر على التفكير بعيد المدى، لكنه ليس رجل سياسة حزبية.

أما عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، فيمثل رجل الدولة بامتياز. خبرته في الإدارة الترابية والانتخابات والجهوية والسلطة المحلية تمنحه ثقلا كبيرا. لكنه أقرب إلى رجل مؤسسة منه إلى رجل منافسة حزبية. لذلك، يبقى اسمه حاضرا في الخيال السياسي، لكنه لا ينسجم بسهولة مع منطق التعيين الدستوري من الحزب المتصدر.

وجوه خارج التصنيف التقليدي

هناك أيضا أسماء توصف بالـ outsiders، مثل عمر بلافريج، ليلى بنعلي ومولاي حفيظ العلمي.

عمر بلافريج، رغم ابتعاده النسبي عن السياسة الحزبية، ما زال يحتفظ بصورة السياسي الصارم والنزيه لدى جزء من الطبقة الوسطى والشباب الحضري. لغته وأسلوبه يبدوان مختلفين عن السياسيين التقليديين، لكن غيابه عن التنظيم الحزبي يجعله خارج السباق الفعلي.

ليلى بنعلي تمثل جيلا جديدا من التكنوقراط، بخبرة دولية في الطاقة والتحول البيئي. وهي قادرة على مخاطبة المؤسسات العالمية وفهم رهانات المناخ والطاقة، لكن تجربتها السياسية لم تصل بعد إلى مستوى يجعلها مرشحة طبيعية لرئاسة الحكومة.

أما مولاي حفيظ العلمي، فهو رجل أعمال ووزير سابق راكم تجربة قوية في الصناعة والتجارة. وقد ترك صورة رجل كفاءة ونتائج. غير أن بعده عن الحياة الحزبية اليومية، وتقدمه في السن، يجعلان عودته إلى الواجهة الحكومية احتمالا صعبا لكنه غير مستحيل.

خلاصة: من يحكم المغرب بعد 2026؟

تكشف قراءة خريطة الأسماء المطروحة أن سباق رئاسة الحكومة في المغرب لا يحسم فقط داخل صناديق الاقتراع. صحيح أن الانتخابات تحدد الحزب المتصدر، لكن اختيار الشخصية القادرة على قيادة الحكومة يخضع لعوامل أكثر تعقيدا: القدرة على بناء أغلبية، الثقة المؤسساتية، الكفاءة الاقتصادية، القبول الاجتماعي، نظافة الصورة، الانضباط الحزبي، والقدرة على تدبير الأزمات.

هناك مرشحون يمتلكون الشرعية الحزبية، مثل نزار بركة أو شخصيات من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وهناك شخصيات تكنوقراطية ذات مصداقية، مثل نادية فتاح العلوي. وهناك أسماء قوية في الرأي العام، مثل فوزي لقجع ومصطفى التراب وعبد الوافي لفتيت، لكنها لا تنتمي إلى المسار الحزبي المباشر. كما توجد وجوه يسارية أو معارضة تمتلك رمزية سياسية، لكنها تعاني من ضعف الوزن الانتخابي.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يريد الوصول إلى رئاسة الحكومة؟ بل: من يستطيع الجمع بين الشرعية الانتخابية، الثقة المؤسساتية، القدرة التدبيرية، والقبول السياسي؟

في مغرب 2026، قد لا تكون رئاسة الحكومة مكافأة انتخابية فقط، بل اختبارا لقدرة النظام الحزبي على إنتاج قيادة مقنعة في مرحلة تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية، التحولات الجيلية، الضغوط الاقتصادية، وانتظارات الدولة. وبين السياسي الحزبي، التكنوقراطي، ورجل الدولة، تبقى primature مفتوحة على أكثر من سيناريو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى