تنوير | متابعة
أعاد الدبلوماسي المغربي السابق والمبعوث الأممي الأسبق جمال بنعمر ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، من خلال رسالة مفتوحة شديدة اللهجة، وجّهها إلى البرلماني عرشان، استحضر فيها تجربته الشخصية مع الاعتقال والتعذيب داخل المعتقل السري درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، وطرح من خلالها تساؤلات بشأن العدالة والإنصاف وحدود المصالحة مع الماضي.
الرسالة، التي تداولتها منابر إعلامية يومي 22 و23 أكتوبر 2026، حملت عنوان «رسالة إلى الجلاد… إلى تلميذ قدور اليوسفي القابع اليوم في البرلمان»، وجاءت بصيغة مواجهة رمزية بين معتقل سياسي سابق أصبح دبلوماسياً دولياً، وشخصية برلمانية يربطها صاحب الرسالة، من خلال اتهاماته وشهادته الشخصية، بأجهزة القمع خلال سبعينيات القرن الماضي.
واستهل بنعمر رسالته بالعودة إلى يناير 1976، عندما كان، بحسب روايته، تلميذاً يبلغ من العمر 18 سنة بإحدى ثانويات تطوان، ويحمل منشورات سياسية مرتبطة بتنظيم «إلى الأمام»، قبل أن يتعرض للاعتقال وينقل معصوب العينين ومقيد اليدين إلى المعتقل السري درب مولاي الشريف.
واستحضر صاحب الرسالة ظروف الاعتقال القاسية التي قال إنه عاشها، وما رافقها من تعذيب جسدي ونفسي، متحدثاً عن دور قدور اليوسفي، الذي اتهمه بالإشراف على ممارسات التعذيب داخل المعتقل.
كما استعاد أسماء عدد من ضحايا تلك المرحلة، من بينهم عبد اللطيف زروال وأمين التهاني، معتبراً أن ذكراهم تظل شاهدة على ما تعرض له معارضون سياسيون من انتهاكات خلال تلك الفترة.
وتوقف بنعمر عند تجربته في السجن، مشيراً إلى أنه حُكم عليه بعشر سنوات، لكنه واصل تحصيله العلمي رغم ظروف الاعتقال، فحصل على شهادة البكالوريا ثم الإجازة، قبل أن يتابع دراساته العليا بالمراسلة، في تجربة يقدمها باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الفكرية في مواجهة القمع.
وانتقلت الرسالة بعد ذلك إلى سنة 1995، حيث استحضر بنعمر واقعة قال إنها جمعته بجنيف بأحد الأشخاص الذين يربطهم بتجربة اعتقاله، وذلك خلال أشغال لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، حين كان المغرب يقدم معطيات بشأن التزامه بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وأكد بنعمر أنه واجه آنذاك من اعتبره أحد المسؤولين عن تعذيبه أمام الصحافيين، في خطوة أراد من خلالها، بحسب روايته، كشف جانب من الانتهاكات التي تعرض لها معتقلون سياسيون مغاربة.
وفي الجزء الأكثر حدة من الرسالة، انتقد بنعمر انتقال شخصيات يربطها بماضي الأجهزة الأمنية إلى مواقع المسؤولية والتمثيل السياسي، معتبراً أن هذا التحول يطرح أسئلة عميقة حول المحاسبة ومآلات العدالة الانتقالية بالمغرب.
كما استحضر وفاة قدور اليوسفي، الذي اتهمه بممارسة التعذيب، معبّراً عن أسفه لما وصفه بغياب المحاسبة عن الانتهاكات المنسوبة إليه.
وربط بنعمر رسالته بالنقاش السياسي الذي أثارته تصريحات عرشان الأخيرة داخل المؤسسة التشريعية، معتبراً أن استحضار الماضي ليس مجرد استعادة لوقائع تاريخية، بل يتعلق أيضاً بكيفية تعامل الحاضر السياسي مع ذاكرة الانتهاكات وحقوق ضحاياها.
وشدد على أن تجربة المغرب في العدالة الانتقالية، رغم ما حققته من خطوات في الكشف عن جوانب من تاريخ الانتهاكات وجبر الضرر، تظل في نظره بحاجة إلى استكمال مسارات الحقيقة والإنصاف والمساءلة.
واختتم رسالته بالتأكيد أن شهادته ليست موجهة إلى شخص بعينه فقط، وإنما إلى الأجيال المقبلة، حتى تبقى ذاكرة المعتقلات السرية والانتهاكات الجسيمة حاضرة في الوعي الجماعي، ولا تتحول إلى صفحة منسية من التاريخ المغربي.
وتعيد هذه الرسالة طرح إشكالية العلاقة بين الذاكرة والعدالة والمصالحة، ومدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب الضحايا السابقين، خصوصاً في ما يتعلق بكشف الحقيقة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتبقى الاتهامات الشخصية الواردة في الرسالة منسوبة إلى جمال بنعمر، باعتبارها جزءاً من شهادته وموقفه الحقوقي والسياسي، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً قضائياً لمسؤولية الأشخاص المعنيين، مع احتفاظهم بحقهم في الرد وتقديم روايتهم.
وبين ذاكرة درب مولاي الشريف وحاضر المؤسسة التشريعية، يضع بنعمر مجدداً سؤال العدالة الانتقالية أمام الرأي العام المغربي: هل يكفي الاعتراف بانتهاكات الماضي لتحقيق المصالحة، أم أن استكمالها يقتضي أيضاً مواصلة البحث عن الحقيقة وترتيب المسؤوليات وضمان عدم التكرار؟